شحاتة زكريا يكتب.. مصر بين ألسنة الحرب وموازين العقل
في اللحظة التي تشتعل فيها السماء بنيران الصواريخ بين تل أبيب وطهران يتوقف الزمن في الشرق الأوسط. صراخ مدوٍّ للحديد والنار وحروب تُبث على الهواء مباشرة فيما الشعوب تتابع بعيون محمّلة بالأسئلة: إلى أين نمضي؟ ومن يربح حين يخسر الجميع؟
هذه الحرب ليست كسابقاتها ولا هي استمرارٌ لحرب الظلال التي طالما خاضتها إيران وإسرائيل عبر الأذرع والوكلاء. إنها مواجهة عارية نزع فيها الطرفان أقنعتهما وكشف كل منهما عن أنيابه.
وفي هذه اللحظة المفصلية تبرز مصر كصخرة صلبة وسط طوفان إقليمي تتعامل بهدوء العارف وحنكة الخبير وعقل الدولة التي فهمت الدرس جيدا: أن الانفعال ليس بطولة وأن ضبط النفس أحيانا هو أعلى درجات القوة.
مصر لم تكن يوما دولة تُبنى قراراتها بردود الأفعال أو تحت ضغط الانفعالات المؤقتة. قيادتها تُدرك أن اشتعال المنطقة بالكامل لن يخدم أحدا وأن أي انزلاق إلى حرب إقليمية شاملة يعني إعادة رسم الخرائط بالدم، وهو ما لن تسمح به القاهرة لا دفاعا عن نفسها فقط بل حفاظا على ما تبقى من استقرار هشّ في منطقة تعيش على حافة الزلزال منذ عقود.
ما تفعله مصر الآن لا يُقاس بحجم الضجيج الإعلامي بل بوزن الحضور السيادي في كواليس القرار، فمنذ اللحظة الأولى لتصاعد الصراع بدأت القاهرة تحرّك أدواتها الهادئة: اتصالات، تحذيرات، تقييمات ميدانية، رسائل مباشرة وغير مباشرة تنسيق مع أطراف إقليمية ودولية استعدادات داخلية على مستوى الأمن القومي وترقّب محسوب لأي تحولات في مسار الصراع.
الذين يطالبون مصر بالخروج عن هذا التوازن لا يفهمون طبيعة اللحظة ولا خطورة الانزلاق. فالقاهرة ليست لاعبا صغيرا يُجرّ إلى المعركة بتصفيق الشارع أو هتاف العواطف، بل هي دولة لها جيش من أقوى عشرة جيوش في العالم لها تاريخ من الحروب والسلام لها موقع إذا اهتزت المنطقة بأكملها.
وما يُحسب لهذه القيادة أنها لا تدير الأزمة فقط بل تدير الوعي الموازي لها، فإدارة الصراع لا تتوقف عند حدود الجغرافيا أو السلاح بل تمتد إلى إدارة العقل الجمعي الذي قد يتشوّش تحت وطأة الصور الدامية والبث المباشر للمعارك، هناك من يحاول استدراج الشارع العربي إلى مربعات الانفعال الأجوف مستخدما العواطف الدينية والمظلومية الطائفية كوقود لتبرير المغامرات، لكن مصر منذ سنوات تقود معركة صامتة ضد هذا النوع من الوعي الزائف وتعيد تشكيل وعي شعوب المنطقة على قاعدة الإدراك العميق لمصالحها.
ليست المسألة أن تكون مع إيران أو مع إسرائيل بل أن تكون مع العقل ومع الأمن القومي العربي ومع وقف النزيف المفتوح في الجسد الإقليمي، من يراهن على الحرب الشاملة لا يعرف طبيعة الكارثة. ومن يُزايد على مصر في مواقفها لا يعرف ثقلها الحقيقي. فالقاهرة لم تخضع لمعادلات الضغط حين كان العالم كلّه يتأرجح فوق خيط رفيع بين الفوضى والنظام فكيف بها اليوم وهي في أوج قوتها الداخلية وتماسك قرارها السياسي والعسكري؟
نعم مصر ترصد، وتُدير، وتُقيم، وتستعد، لكنها لا تصرخ ولا تزايد، ولا تُقامر. وهذه ليست ضعفا، بل ذروة الحكمة في لحظة الجنون، لأنها تعرف أن هناك من ينتظر فقط سقوط عمود القاهرة لتنهار الخيمة كلها. لذلك فإنّ ما تفعله اليوم هو حماية للكل حتى الذين لا يعترفون بالفضل إلا إذا مرّ على ظهورهم.
ووسط هذا كله يبقى الوعي هو الكتيبة الأقوى، علينا أن ننتبه إلى أن الحروب تُصنع في الأذهان قبل أن تُصنع في الميادين، هناك معركة موازية تُخاض على الشاشات وصفحات التواصل الاجتماعي تهدف إلى خلط الأوراق وتزييف الوقائع واستبدال البوصلة الحقيقية بأخرى مزيفة.
وهنا يأتي دور الإعلام الوطني والنخبة المستنيرة وكل صاحب كلمة صادقة في ترسيخ حقيقة أن مصر تحارب ولكن بعقل وتواجه ولكن دون تهور وتقود ولكن دون استعراض.
ربما تمر هذه الحرب كما مرت غيرها وربما تتدحرج الأمور إلى ما لا تُحمد عقباه، لكن المؤكد أن مصر ستظل الثابت الوحيد في معادلة متقلبة والعقل الراجح في زمن الصخب والمكان الذي يحتمي به المنهكون من رياح العدم.