رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري
الجمهور الإخباري
رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري

مظهر شاهين يكتب: الشيخ عطية صقر.. العالم الرباني وصوت الفتوى الرصين

مظهر شاهين
مظهر شاهين

قابلته مرتين بين عامي 2003 و2005، لكن ملامحه وروحه ونوره لا تفارقني إلى اليوم. في كل مرة كنت أراه فيها، كنت أشعر أنني في حضرة رجلٍ من أولياء الله، ممن صدقوا ما عاهدوا الله عليه، فوهبهم الله من القَبول والنور ما لا يُشترى، ولا يُكتسب. لم يكن بيننا موعد، ولم أكن أعلم أنني سأراه، لكن الله أراد لي أن أراه في لحظاتٍ تجلّت فيها خصاله الجليلة: الزهد، والتواضع، والصبر، والإخلاص.

أما المرة الأولى فكانت على سُلَّم مبنى ماسبيرو، يهبط بخطواته الواثقة، لا يرافقه أحد، ولا يلتفت إلى مناصب أو ألقاب، وإنما يحمل معه علمًا ووقارًا وهيبةً لا تحتاج إلى تعريف. وأما المرة الثانية فكانت عند موقف عبد المنعم رياض، وكنت حينها بصحبة الصديق العزيز محمد يحيى، كبير معدّي البرامج بماسبيرو، فرأيناه واقفًا بزيه الأزهري الكامل، ينتظر أتوبيس النقل العام كما اعتاد، بكل رِضا وسكينة، وقد جاوز الثمانين من عمره، دون أن يمتلك سيارة، أو يسعَى خلف رفاهية، بل يعتبر مشقة الطريق جزءًا من عبادة الطريق. دنوت منه، وقبّلت يده في صمت، فرفع كفيه يدعو لي دعاءً صادقًا، خرج من قلبٍ أحب الله فأحبه الناس، ومن عالمٍ عاش الدعوة لا على المنابر فقط، بل في الأزقّة، والمواصلات، ووجوه الناس، وفي تفاصيل الزهد والبذل وتحمل الأمانة. كانت تلك الدقائق المعدودة أبلغ من ألف خطبة، فقد رأيت فيها صدق العلم حين يُثمر عملًا، وصفاء النفس حين تتصل بالله، ونُبل الإنسان حين يعيش لدينه وأمته لا لنفسه.

ذاك هو الشيخ عطية صقر، رئيس لجنة الفتوى الأسبق بالأزهر الشريف، وأحد أعلام الفتوى والفكر الوسطي في العصر الحديث، العالم الذي ما عرف الناس اسمه إلا مقرونًا بالثقة، وما سمعوا صوته إلا وشعروا بالأمان، وما قرأوا له فتوى إلا ووجدوا فيها رحمة الفقهاء، وحكمة العلماء، وصدق الناصح الأمين.

لقد نشأنا على صوته من إذاعة القرآن الكريم، صوته الرزين الواثق، وأسلوبه الفقهي الذي يجمع بين الأصالة والتجديد، بين ضوابط الشريعة ومتغيرات الواقع، وكم كانت أسرٌ بأكملها تجتمع على فتاواه، وتنتفع بإجاباته، وتنتظر حلقاته في التلفزيون المصري لا لتُقلد، بل لتفهم وتتعلم، وتعيش مع عالمٍ لا يُفتي إلا بعلم، ولا يوجّه إلا بإخلاص.

وُلد الشيخ عطية محمد عطية صقر في قرية بهنباي، بمحافظة الشرقية، يوم 22 نوفمبر 1914م، وحفظ القرآن الكريم وهو في التاسعة من عمره، وأتم تجويده وهو ابن عشر سنين، ثم التحق بمعاهد الأزهر، وتخرج في كلية أصول الدين سنة 1941م، ثم حصل على شهادة التخصص في الدعوة والوعظ سنة 1943م، وكان ترتيبه الأول على دفعته. ومنذ بداية مسيرته، كان مختلفًا، لا يطلب شهرة، ولا يسعى لمنصب، بل عرف طريقه إلى العلم، وسار فيه مخلصًا محتسبًا، فرفعه الله وأحبه الناس.

تدرّج في مواقع العمل الدعوي، من إمام وخطيب ومدرس بالأوقاف، إلى واعظ في عدد من المحافظات، ثم مفتش، ثم مراقب عام للوعظ، ثم مترجمًا للغة الفرنسية، فمديرًا لمكتب شيخ الأزهر، ثم عضوًا بمجمع البحوث الإسلامية، ومستشارًا لوزير الأوقاف، ورئيسًا للجنة الفتوى، ثم عضوًا بمجلسي الشعب والشورى، ومديرًا للمركز الدولي للسنة والسيرة.

لكن الأعجب أن هذه المناصب كلها لم تغيّر من حياته شيئًا. ظل ساكنًا في شقة بالإيجار بحي شبرا، لا يملك سيارة خاصة، ويرفض عروض التسهيل والتكريم المبالغ فيها، ويذهب يوميًا إلى ماسبيرو بالأتوبيس لتسجيل برنامجه الشهير “فتاوى وأحكام”، ويقول: دعوني كما أنا، أركب مع الناس، يسمعونني وأسألهم ويسألونني. وكانت هذه الروح هي سرّ تعلق الناس به، فقد كان قريبًا من القلوب، قريبًا من الحياة، يفتيهم وهو يعيش بينهم، لا من وراء مكتب ولا حاجز.

وكان زاهدًا بحق، لا يطلب مالًا على برامجه، ولا يقبض أجرًا على ندواته، وإن أُعطي شيئًا وزّعه صدقة، وكان دخله الشهري مخصصًا للفقراء والمحتاجين. وكان يرسل شهريًا مبالغ تُوزع في قريته على المحتاجين، يشرف عليها نجل شقيقته. وبعد وفاته، تم توزيع مكتبته الكبيرة – المليئة بالكتب والمصاحف والمراجع النادرة – على طلاب العلم، كما تم تخصيص ريع أرضه الزراعية – عشرة أفدنة – لتُصرف صدقاتٍ جارية، يتولى توزيعها نجله الأكبر.

وقد ابتُلي الشيخ في حياته بفقد اثنتين من بناته في سنّ الشباب، ثم باستشهاد نجله الضابط في القوات المسلحة، لكنه كان نموذجًا في الصبر والرضا، يُسلم أمره إلى الله، ويرضى بما قسم الله، ويواسي الناس وهو المفجوع، ويقوّي عزائمهم وهو المُبتلى، يعلّمنا بالصمت كما يعلّمنا بالكلام، ويُرينا كيف يكون العالم راضيًا بالله، متجردًا من الدنيا وزينتها.

ولم يكن الشيخ بعيدًا عن الناس في فتاواه فحسب، بل في بيته وسلوكه، فقد كان يستقبل الأهالي في بلكونة منزله المتواضع، يجلس على أريكة بسيطة، يسمع لكل سائل، ويُفتي في كل نازلة، ويبتسم لكل زائر. وكانت أبوابه مفتوحة، ووقته مبذولًا، وهمّه أن يوصّل العلم ويقضي الحوائج، ويُعين الناس على فهم دينهم بالحجة والرفق.

وقد رزقه الله تسعة من الأبناء، بلغوا مناصب مرموقة بجهدهم، فمنهم الأطباء والمهندسون والضباط، ولم يعرف أحد منهم طريقه عبر توصية أو واسطة، فقد كان والدهم يرى في التوسط للوظائف حرامًا لأنه أخذٌ لحق غير مستحق، وكان يقول: إن الله هو الرازق، ومن أراد الخير لأبنائه فليزرعه فيهم لا في غيرهم.

أما مؤلفاته، فهي باب من أبواب عطائه الكبير، وقد بلغت أكثر من ثلاثين مؤلفًا في الفقه والدعوة وقضايا العصر، منها: “الدعوة الإسلامية دعوة علمية”، و”الأسرة تحت رعاية الإسلام”، و”الحجاب وعمل المرأة”، و”البهائية والبابية”، و”فن إلقاء الموعظة”، و”دراسات إسلامية لأهم القضايا المعاصرة”. وقد حصل على وسام العلوم والفنون من الطبقة الأولى، ونوط الامتياز، وجائزة المجلس الأعلى للشئون الإسلامية، وهي أوسمة لا تساوي شيئًا أمام وسام حب الناس، ورضا الله، وذكر العلماء له بالخير.

وقد شهد له العلماء بعلوّ كعبه، فكان الشيخ الشعراوي والشيخ عبد الحليم محمود يسألانه في المسائل، وكان الإمام الأكبر جاد الحق علي جاد الحق يثق بعلمه ويقدّره، وكان يُستدعى لحضور المجالس العرفية للصلح، فيأتي بكلمة تبرد القلوب وتقرّب بين النفوس.

وفي عام 2013م، وبعد وفاته بسنوات، نوقشت في كلية دار العلوم – جامعة القاهرة – رسالة ماجستير بعنوان: “جهود الشيخ عطية صقر في الفتوى”، وأجيزت بتقدير ممتاز، بإشراف نخبة من كبار أساتذة الشريعة، في شهادة علمية مستحقة لرجلٍ لم يُفتِ يومًا برأي شخصي أو هوى نفسي، بل كان يفتي بما يعلم، ويقول ما يرضي الله، دون تكلّف أو مجاملة.

وفي التاسع من ديسمبر 2006م، رحل الشيخ عطية صقر عن عمر ناهز الثانية والتسعين، رحل بجسده، لكن بقي علمه، وصوته، وسيرته، ودعاؤه، ومكانته، وبقيت في ذاكرتنا صورته وهو واقف ينتظر أتوبيس النقل العام، وهي صورة لا تليق إلا بالكبار الذين عرفوا قيمة أنفسهم عند الله، فلم ينتظروا تكريم الناس.

لقد صدق فيه قول النبي صلى الله عليه وسلم: “إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء…”
رحمه الله رحمة واسعة، وجزاه عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء، ورفع درجته في عليين، وأبقى فينا سيرته نورًا، وعلمه صدقة جارية، وأمثاله من العلماء الربانيين قناديل هدى لهذه الأمة.

تم نسخ الرابط