رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري
الجمهور الإخباري
رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري

السودان بين مطرقة الصراعات المحلية وسندان المشروع الاستعماري

أرشيفية
أرشيفية

تتميز السودان بأهمية كبيرة في القارة الإفريقية والعالم العربي، ليس فقط بحكم موقعها المتميز، ولكن بفضل ما تتمتع به من ثروات معدنية، لفتت أنظار القوى الإقليمية والدولية عبر العصور،.

وتمتد السودان من سواحل البحر الأحمر وضفاف النيل حتى الحدود الغربية مع تشاد وجنوب إفريقيا، الأمر الذي جعل أرضها غنية بالذهب، والكروم، واليورانيوم، والنحاس، إلى جانب الموارد الزراعية التي اعتمدت عليها المنطقة في غذائها، ولعبت السودان دورًا محوريًا كممر حضاري بين الشمال والجنوب، وبين الشرق والغرب، ما جعلها نقطة التقاء للثقافات والديانات واللغات، وعمقًا استراتيجيًا بالغ الأهمية لمصر والعالم العربي.

مصر والسيادة علي السودان

حرصت الأسرة العلوية في مصر على ارسال حملة عسكرية لضم السودان عام 1820، ونجحت الحملة في تحقيق أهدافها، حيث خضع السودان للحكم المصري تحت السيادة الشكلية للدولة العثمانية، وكانت ذلك بهدف السيطرة على منابع النيل، وضمان وحدة وادي النيل بوصفه امتداد استراتيجي لمصر، وبجانب ذلك استطاعت الأسرة العلوية تحديث وتطوير السودان وإنشاء مدن كالعاصمة الخرطوم.

واستمرت السودان تحت الإدارة المصرية إلي عام 1881، حيث قامت ثورة المهدي ضد الحكم المصري للسودان، حيث استاءت من القوة والقمع وفرض مزيد من الضرائب، ونجحت ثورة المهدي في تحقيق غايتها، وأنهت الحكم المصري علي السودان.

ووقعت مصر تحت الإحتلال البريطاني عام 1882، وسعي الإحتلال إلى السيطرة علي السودان أيضًا عن طريق مصر، حيث أرسل الإحتلال العديد من الحملات العسكرية لتنفيذ ذلك الهدف، لكن معظمها باءت بالفشل، إلا أنه استطاع عام 1898 من السيطرة علي السودان، وبالتالي تكون وقعت كلا من مصر والسودان تحت الإحتلال البريطاني.

وحرص الإحتلال البريطاني علي تنفيذ مخطط محكم في السودان نهاية القرن التاسع عشر، حيث استخدم سياسته المعروفة تحت مبدأ "فرق تسد"، وذلك حتي يضمن بقاءه في السودان أطول فترة ممكنة، كما قام الاحتلال بخلق فوارق اجتماعية من خلال التفرقة والتمييز بين جميع قبائل السودان شمالاً وجنوبًا، وشكل أغلبية السكان في الشمال قبائل ذات أصل عربي ومسلمي الديانة، وفي المقابل شكل أغلبية السكان في الجنوب قبائل ذات أصل أفريقي من المسيحيين والوثنيين، وكانت هذه أول مظاهر التفرقة الإجتماعية والثقافية والدينية التي زرعها الإحتلال في السودان بين الشمال والجنوب، والتي لها أثر ودور بالغ في تعزيز روح الانفصال.

واستمر النهج الاستعمار علي تفكيك وحدة الأراضي السودانية من خلال فصل الشمال عن الجنوب فيما عرف بقانون المناطق المقفولة عام 1921، حيث منع من التواصل الطبيعي بين أبناء الشمال والجنوب، إلا إذا كان الشخص يحمل رخصة أو تصريح، بجانب ذلك مُنع أبناء الجنوب من اتخاذ أي شعائر أو مظاهر ذات صلة بسكان الشمال في الملبس والعقيدة واللغة ليبقي التباين مستمر عبر الزمن.

وبجانب ذلك، قام المستعمر البريطاني بتنمية وتطوير شمال السودان، وترك الجنوب متخلفًا، حيث اهتم الإنجليز في الشمال ببناء المدارس والمستشفيات، وإنشاء المؤاني كميناء بورت سودان، فضلاً عن إنشاء السكك الحديدية، ولكن هذه التنمية لم تكن لخدمة السودان بل لخدمة مصالح بريطانيا الإقتصادية، بهدف السيطرة علي الموارد الطبيعية في السودان كالذهب والقطن وتصدير المواد الخام إلي المصانع الأوروبية.

ثم توالت الأحداث إلى قيام ثورة يوليو عام 1952، وحصلت مصر على استقلالها عن بريطانيا، وكانت الضباط الأحرار يعتقدوا أن السودان ترحب بالوحدة مع مصر، وبالفعل تولي صلاح سالم (أحد الضباط الأحرار)، ملف السودان بهدف دعم وتعزيز الوحدة بين مصر والسودان، وتوحيد القبائل والأحزاب في السودان رغم خلافاتها، ولكن تدخلت أطراف خارجية وقوي كبري، لتأييد وتشجيع الانفصال عن مصر.

الاستقلال وبداية الصراع

نال السودان استقلاله عن الحكم الثنائي بين بريطانيا ومصر في عام 1956، لكن سرعان ما تصاعدت التوترات بين الشمال والجنوب، وعلى الرغم من الوعود التي منحت للجنوبيين بمنحهم الحكم ذاتي، لكن تراجعت الحكومة المركزية عن التزاماتها، ما أشعل مشاعر الغضب الصراع لدى سكان الجنوب، ولم تمضي شهور قليلة حتى اندلع أول تمرد مسلح في مدينة توريت عام 1955، ليكون بداية أطول وأعنف حرب أهلية شهدها السودان في تاريخه الحديث، وعرفت بالحرب الأهلية الأولي.

17 عامًا من الحرب الأهلية

استمرت الحرب الأهلية الأولى بين الجيش السوداني وحركات التمرد الجنوبية، في ظل تجاهل دولي، وتلخصت مطالب الجنوبيين في  الحكم الذاتي الذي يضمن حقوقهم الثقافية والسياسية والتنموية، مقابل رفض الحكومة المركزية هذا المطلب، وانتهى النزاع مؤقتًا باتفاقية أديس أبابا عام 1972، التي منحت الجنوب حكمًا ذاتيًا وعلى الرغم من ذلك ما زالت جذور الأزمة مستمرة.

ورغم أن اتفاقية أديس أبابا عام 1972 أنهت أولى الحروب الأهلية في السودان، إلا أن السلام الذي حققته لم يدم طويلا، ففي عام 1983، ألغى الرئيس السوداني السابق جعفر نميري الاتفاقية، وقسم الجنوب إداريًا، وأعلن تطبيق الشريعة الإسلامية في جميع أنحاء السودان، بما في ذلك الجنوب ذي الأغلبية المسيحية، وهذا القرار أشغل النار من جديد، وأدى إلى تأسيس ما عرف  "الحركة الشعبية لتحرير السودان" والتي عقدت النية للصراع مجددًا، معلنة بدء الحرب الأهلية الثانية.

صراع طويل ودماء بلا توقف

استمرت الحرب الثانية لأكثر من 20 عامًا، لتكون واحدة من أطول وأعنف النزاعات في القارة الإفريقية، حيث راح ضحيتها ما يزيد عن مليوني شخص، وأدت إلى تهجير الملايين داخل وخارج السودان، ولم تكن الحرب مجرد صراع بين الشمال والجنوب، بل حملت أبعادًا دينية وعرقية واقتصادية عميقة، وسط فشل حكومي متكرر في بناء دولة عادلة وشاملة، واستمرت المعارك حتى عام 2005، حيث وقعت السودان "اتفاقية السلام الشامل"، والتي مهدت الطريق لاحقًا لانفصال الجنوب في عام 2011.

والسؤال المهم هل تعتقد أن يكون تقسيم السوداني نتاج لصراعات محلية أم أنه نتاج لمشروع استعماري منذ أكثر من قرن ؟

تم نسخ الرابط