الشيخ خالد حسن يكتب.. نهاية كل متكبر .. فإياك والـ"أنا"
لقد منح الإسلام لكل نفس منا التسامح وعدم الكبر والوفاء بالعهود، بل وجعل لمن يتحلى بتلك الأخلاق الكريمة جوائز طيبة ، وجعل لكل متكبر عاقبة سيئة نتيجة كبره عواقب وخيمة، وذلك الكبر الذي يبدأ بكلمة " أنا " إنَّ كلمةَ أنَا في مقامِ العظمةِ والتكبرِ توحِي بالغرورِ والعجبِ والأثرةِ، قالَ تعالى في شأنِ المتكبرِ النمرودِ: { أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ } (البقرة : 258).
هذا هو المتكبر الجاهل النمرود الذي ادعى الربوبية ببلاهته، تحدى خليل الرحمن إبراهيم- عليه السلام- في حواره إياه، ولكن بُهت الذي كفر، لم يكن في وسعه أن يقدم دليلًا قاطعًا على ربوبيته التي ادعاها، بل وتحدى ببلاهته العظمة الإلهية، وأخذ يجمع جنوده لكي يحارب العلي القدير، وكيف هذا ؟! فهو واهم بنفسه، وكانت نهاية ذلك المتكبر المغرور، أن يكون مصرعه على يد بعوضة ، تدخل في أذنه وكان لا يرتاح إلا بالضرب على رأسه بالنعال ، حتى أنه أشير عليه من قِبل رجاله أن تفصل رأسه عن جسده.
وهذا هو قارونَ الذي ضُرِبَ بهِ المثلُ في كثرةِ المالِ، فيُقالُ: فلانٌ عندَهُ مالٌ كمالِ قارونَ، قالَ تعالى: {إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ ) (سورة القصص)، مثال آخر لمتكبر مغرور، ذكره القرآن الكريم في محكم آياته، فإن قارون أُعجب بنفسه وزينته وماله أمام قومه، وقال : إنما أوتيته عن علم من عندي، ولكن كيف كانت عاقبته ؟! كان في أسفل السافلين، يحكي ذلك القرآن الكريم حيث قال تعالى: ( فخسفنا به وبداره الأرض ).
وقد نهى نبينا الكريم سيدنا محمد- صلى الله عليه وسلم- عن التكبر والإعجاب بالنفس وصوره في أسوأ صورة فعن أَبِي هُرَيْرَةَ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ:” بَيْنَمَا رَجُلٌ يَتَبَخْتَرُ يَمْشِي فِي بُرْدَيْهِ قَدْ أَعْجَبَتْهُ نَفْسُهُ؛ فَخَسَفَ اللَّهُ بِهِ الْأَرْضَ فَهُوَ يَتَجَلْجَلُ فِيهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ” وهذا هو فرعون الذي ادعى الألوهية بجهالته وكان يزعم الملك على قومه بعد أن استخفهم قال تعالى: { وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ} (الزخرف: 51)، كانت عاقبته الغرق في الأنهار التي يزعم أنها تجري من تحته وتحت سيطرته، جعلها الله من فوقه.
وإياك أن تغتر بما تنتسب، فالآخرة بالأعمال لا بالأنساب يقول تعالى :( فلا أنساب بينهم ) فإن النسب والحسب لن يفيدك يوم القيامة فعن أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: انْتَسَبَ رَجُلَانِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا: أَنَا فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ بْنُ فُلاَنٍ، فَمَنْ أَنْتَ لَا أُمَّ لَكَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:” انْتَسَبَ رَجُلَانِ عَلَى عَهْدِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام، فَقَالَ أَحَدُهُمَا: أَنَا فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ حَتَّى عَدَّ تِسْعَةً، فَمَنْ أَنْتَ لَا أُمَّ لَكَ؟ قَالَ: أَنَا فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ، ابْنُ الْإِسْلَامِ، قَالَ فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَى مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام إِنَّ هَذَيْنِ الْمُنْتَسِبَيْنِ، أَمَّا أَنْتَ أَيُّهَا الْمُنْتَمِي أَوْ الْمُنْتَسِبُ إِلَى تِسْعَةٍ فِي النَّارِ فَأَنْتَ عَاشِرُهُمْ، وَأَمَّا أَنْتَ يَا هَذَا الْمُنْتَسِبُ إِلَى اثْنَيْنِ فِي الْجَنَّةِ، فَأَنْتَ ثَالِثُهُمَا فِي الْجَنَّةِ”.
وعليكم بالرحمة وإياكم من الغرور والتكبر، فاللرحمة الجنة، والتكبر النار فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: " احْتَجَّتِ النَّارُ، وَالْجَنَّةُ، فَقَالَتْ: هَذِهِ يَدْخُلُنِي الْجَبَّارُونَ، وَالْمُتَكَبِّرُونَ، وَقَالَتْ: هَذِهِ يَدْخُلُنِي الضُّعَفَاءُ، وَالْمَسَاكِينُ، فَقَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ لِهَذِهِ: أَنْتِ عَذَابِي أُعَذِّبُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ، وَقَالَ لِهَذِهِ: أَنْتِ رَحْمَتِي أَرْحَمُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ، وَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْكُمَا مِلْؤُهَا ".
( اللهم بلغ بنا وعلمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا )