وليد نجا يكتب.. حضرة المحترم المرحوم أبي
أصعب لحظة في حياتي هي لحظة وفاة والدي، فقد مر في مخيلتي شريط الذكريات، ورغم إيماني بأن الموت حق وأنه حقيقة مؤكدة وأعمارنا على قدر وصول سهم أطلق ناحيتنا مع مولدنا وعمر كل منا على قدر وصول السهم إليه.
وهناك في حياة كل إنسان حقيقة مؤكدة وهي المولد والممات يكون في كليهما مسلوب الإرادة، أول حقيقة هي مولده وفي تلك الحالة يعتمد على غيره في قضاء أموره المعيشية حتى يشتد عوده ويستطيع أن يقضي مصالحه بنفسه ويساعده حسبه ونسبه وتعليمه وأمواله ومنصبه، وثاني حقيقة هي موته ويحتاج في تلك المرحلة من يكفنه ويدفنه ويترحم عليه ويسبقه إلى قبره عمله ويبقى له في الدنيا علم ينتفع به أو صدقة جارية أو ولد صالح يدعو له، وفي كلا الحالتين الولادة والموت تتباين المشاعر الإنسانية للمحطين به من أرحامه ما بين الفرحة واللهفة والحزن.
وعند الحديث عن المرحوم والدي، فالحالة الأولى مولده، فقد ولد في قرية إبيار مركز كفر الزيات بمحافظة الغربية، وانتقل إلى كفر الزيات لتلقي التعليم، حيث لم تكن المدارس متاحة في تلك الفترة في القرى، ثم انتقل إلى مدينة طنطا، ومن ثم انتقل مع والده إلى شبرا مصر، حيث عمل موجهًا بالتربية والتعليم في إدارة شبرا التعليمية، وتلقى رحمة الله عليه تعليمه في جامعة القاهرة، وقد تنقل والدي في أكثر من مدينة، حيث عمل في أسوان وطنطا وكفر الزيات وغيرها من المدن، وقد كان رحمة الله عليه بارًا بوالديه ورفض عقد إعارة في الخليج وأعطاه إلى أخيه ليخدم والديه في حياتهما وكرمهما عند موتهما.
وقد كان رحمه الله طيب القلب لا يجادل ولا يعاتب ولا يكذب، يخدم الكبير والصغير، وكان جزيل العطاء لي ولإخوتي، وكان يزيد في العطاء لأخي الأكبر وزوجته وأولاده لأنه الكبير، وكان يعامل أختي بود ورحمة لأنها أرملة تربي أربعة أيتام، وكان يبتسم لي ويضحك لأني كنت أصغر أبنائه، وكنت أعامله ولازلت أعامل والدتي بحنان ورفق كوني حلقة الوصل بينهما وبين العالم الخارجي، و يعتمد هو ووالدتي "أطال الله عمرها أخذنا منها الحكمة والعقل" علي زوجتي وأولادي، وذلك عن طيب خاطر وود وحب.
وقد عاني المرحوم أبي من المرض آخر سنتين في عمره، وقد كان حنونًا ومسالمًا، يتحدث بعفوية، وقد عشت معه أنا وأسرتي آخر فترات حياته لقضاء أخي إجازة في الإسكندرية.
وقد توفي والدي رحمو الله عليه يوم الجمعة التي تلت عيد الفطر المبارك وأنا بمفردي وقت أذان الجمعة، وكأن عمله الصالح جعل المساجد تلقنه الشهادة، وقد صام شهر رمضان كله رغم مرضه وجواز إفطاره، ولجميع من يقرأ مقالي رجاء من سيادتكم أن تدعو معي أن يغفر الله تعالي لوالدي وأن يرحمه وأن يدخله الجنة وأن يجعل الله تعالي فترة مرضه رافعه لدرجاته، رددوا معي عن طيب خاطر لعل منكم من هو مستجاب الدعوة، وفي الختام هذا دعائي لوالدي رحمة الله عليه حضرة المحترم أبي المغفور له بإذن الله تعالى الأستاذ نبيل مصطفى نجا.
