شهادات وذكريات يرويها مصطفى بكري لـ«الجمهور».. «حكايتى مع الإمبراطور»
مواجهة نارية مع أحمد عز تحت قبة البرلمان
رئيس سكرتارية الرئيس مبارك طالبنى بسحب البلاغ ضد أحمد عز ورفضت
تعرضت لمحاولات احتكاك بى من بعض النواب القريبين من إمبراطور الحديد
هذه ليست قصة حياة، بل شهادة حية على مرحلة تاريخية مهمة، عشت فصولها، انتصاراتها وانكساراتها، حلوها ومرها، اقتربت من صناع هذه الأحداث أحيانًا، وكنت ضحية لعنفوانهم في أحيان أخرى، معارك عديدة دخلتها، بعضها أودي بي إلى السجون، لم أنكسر، ولم أتراجع عن ثوابتي، وقناعاتي.
أروى هذه الشهادات التي ينشرها موقع "الجمهور" بصدق وموضوعية، بعض شهودها أحياء، والبعض رحل إلى الدار الآخرة، لكن التاريخ ووقائعه لا تنسى، ولا يمكن القفز عليها، وتزوير أحداثها.
في هذه الحلقات التي ينشرها موقع "الجمهور" يوم "الجمعة" من كل أسبوع، يروي الكاتب والبرلماني مصطفى بكري شهادته عن أزمات وأحداث كان شاهدًا عليها، خلال فترات حكم الرئيس السادات والرئيس مبارك والمشير طنطاوي ومرسي والرئيس السيسي.
كنت منذ نهاية التسعينيات أتابع الصعود المفاجئ للمهندس أحمد عز، وعلاقته بالسيد جمال مبارك نجل الرئيس حسنى مبارك، كان أحمد عز ذكيًا بشكل لافت للنظر، لكنه كان يتمتع بغرور وعناد شديدين، كان يسعى حثيثا إلى الإمساك بكافة الخيوط فى يديه، وقد استطاع فى سنوات معدودة أن يتمكن من الاطاحة بالسيد كمال الشاذلى من موقعه السابق كأمين للتنظيم، وأن يحتل مكانه، وكان يناطح دائما د.زكريا عزمى رئيس ديوان رئيس الجمهورية والأمين المساعد للحزب الوطنى فى مهامه ومواقفه، وكانت معركة الضريبة العقارية خير مثال على ذلك، إذ نجح فى فرض وجهة نظره على الجميع.
لم تكن لدىَّ مشكلة شخصية مع المهندس أحمد عز، لكننى كنت أتابع مسيرته، وأنتقد مواقفه داخل البرلمان وعلى صفحات صحيفة الأسبوع وغيرها من الصحف ووسائل الإعلام المختلفة سواء تلك المتعلقة باحتكاره لصناعة الحديد، أو تملكه لنسبة 50.2 % من أسهم شركة حديد الدخيلة بطريقة تثير الشكوك، أو مواقفه داخل الحزب الوطنى وداخل البرلمان.
وحتى شهر مايو 2008، كنت قد نشرت العديد من المقالات فى صحيفة «الأسبوع» من بينها: هل أحمد عز فوق القانون؟ بتاريخ 30/ 6/ 2007 - الصعود المدمر 20/ 10/ 2007 - قصة أحمد عز من الابتكار إلى الاحتكار 3/ 11/ 2007 - هل سقط البرلمان فى قبضة أحمد عز 23/ 2/ 2008 - أحمد عز خطر على النظام 10/ 5/ 2008، وغيرها).
ولقد سعيت على مدى ستة أشهر من نهاية 2007 حتى قرب منتصف عام 2008 لمناقشة أسباب ارتفاع سعر الحديد داخل البرلمان الذى كنت عضوًا فيه، لكننى لم أفلح، كنت قد تقدمت بأكثر من طلب إحاطة إلى السيد وزير الصناعة والتجارة (رشيد محمد رشيد)، ولكن تمت إحالة الطلب إلى لجنة الاسكان، غير أن المهندس رشيد محمد رشيد اعتذر أكثر من مرة.
وقد تساءلت أمام البرلمان فى جلسته العامة فى نهاية 2007، عما إذا كان هناك فيتو على مناقشة أسباب ارتفاع أسعار الحديد والمسئولين عنه، فعرفت إن الطلب لن يناقش، وقد كان سعر طن الحديد فى هذا الوقت قد وصل إلى 4800 جنيها.
يومها التزم الجميع الصمت، وبدا الأمر وكأن هناك اتفاقًا على ذلك، تركت الأمور تمضى فى طريقها إلى النهاية، ولم تكن توقعاتى محض خيال، فبعد فترة وجيزة قفز سعر طن الحديد إلى 8600 جنيه، مما دفعنى للتقدم باستجواب إلى البرلمان موجه ضد وزير التجارة والصناعة حول بيع شركة حديد الدخيلة بنسبة 50.2 % إلى أحمد عز وأسباب ارتفاع سعر الحديد. طلبت موعدا لمقابلة رئيس مجلس الشعب د. فتحى سرور وأطلعته على مضمون الاستجواب المقدم منى عن بيع شركة الدخيلة بتلك النسبة لأحمد عز.
قرأ د. فتحى سرور الاستجواب، وقال لى: أنت عارف أحمد عز حيعمل إيه؟
قلت له: لا يهمنى، قال: حيعملك مشاكل، قلت: أنا أمارس حقى الرقابى
قال: وأنا لا أستطيع أن أمنعك من ممارسة حقك الرقابى، وإذا كنت عاوز الاستجواب يمشى أعد صياغته وخليه عن أسباب خصخصة بعض الشركات الناجحة، واتكلم داخل الموضوع عن حديد الدخيلة كمثال.
قلت له: هذا هو جوهر الموضوع
قال لى: إبدأ بالكلام عن الخصخصة وبعد كده أنت حر، هذا حقك ولا أستطيع أن أمنعك، رغم أنى أعرف أن هذا الموضوع سيجر علىّ أيضا مشاكل عديدة من أحمد عز وأنصاره داخل المجلس، ولكن فى سبيل حقك الدستورى والقانونى، أنا مستعد للمواجهة، ثم نظر إلىَّ وقال: «إذا شديت معاك شوية لا تغضب أنا أريد أن أحافظ على التوازن داخل المجلس، وأنت وشطارتك».
مضيت من مكتب رئيس المجلس ولدىَّ شعور كبير بالسعادة، بعد أن وجهت الشكر إليه واحترامه للائحة وحق النواب فى الرقابة، حتى لو كان ذلك سببًا فى إثارة المشاكل من حوله.
وعندما قدمت الاستجواب إلى المجلس مجددًا راعيت ألا يتضمن حديثًا عن شركة الدخلية أو ممارسات أحمد عز، ولذلك تمت الموافقة على مناقشته فى حضور وزير التجارة والصناعة (رشيد محمد رشيد).
وفى اليوم المحدد، نادى علىّ رئيس المجلس، كنت أحمل مجموعة ضخمة من المستندات عن مخاطر خصخصة الشركات الناجحة، لم يكن أحمد عز موجودًا فى الجلسة، بل كان موجودًا فى البهو الفرعونى يحتسى الشاى مع بعض النواب.
الاف المتظاهرون حاصروا البرلمان وحملوا مصطفي بكري علي الاكتاف" width="369" height="275">الاف المتظاهرون حاصروا البرلمان وحملوا مصطفي بكري علي الاكتاف">فى بداية الاستجواب تحدثت عن مخاطر خصخصة الشركات وآثارها الاجتماعية على العاملين وعلى المجتمع، دقائق معدودة وانتقلت إلى كيفية بيع أغلبية أسهم شركة الدخيلة لأحمد عز ومخاطر احتكاره لنسبة 67 % من إنتاج الحديد، كان حديثى موثقا، تناولت فيه الرد على كل كبيرة وصغيرة، كنت أسرع فى العرض بشكل لافت للنظر، وفجأة تم إبلاغ أحمد عز بمضمون الاستجواب، فجاء سريعًا إلى قاعة البرلمان.
وما أن رآه د.فتحى سرور محتجًا حتى طالبنى بسرعة الانتهاء، وألا يظل الحديث مقتصرًا على الدخيلة للحديد والصلب، أسرعت فى العرض ولم ألتفت إلى ما قاله د.فتحى سرور، بينما راح أحمد عز يثير ضجة داخل القاعة، وما أن انتهيت من عرض الاستجواب الذى صفق له المعارضون داخل المجلس وبدت السعادة واضحة على الكثيرين من نواب الحزب الوطنى الحاكم، حتى فوجئت بأحمد عز يطلب الكلمة للتعقيب، فرد عليه فتحى سرور قائلا: إذا أخذت 5 دقائق فى التعقيب فسوف أمنح مصطفى بكرى مقدم الاستجواب وقتًا مساويًا لوقتك».
تحدث أحمد عز وراح يرد على ما قلته، وتحدثت أنا ورددت على كل ما قاله، ثم طلب الكلمة مرة أخرى وعقب على كلماتى فأعطانى د. فتحى سرور وقتًا مناسبًا للتعقيب، ثم قام المهندس رشيد محمد رشيد وزير التجارة والصناعة بالرد والدفاع عن وجهة نظر الحكومة، وكما هو متوقع انتهى الاستجواب بالانتقال إلى جدول الأعمال.
مصطفي بكري معتصما ومضربا داخل البرلمان" width="369" height="214">مصطفي بكري معتصما ومضربا داخل البرلمان">لم يكن أمامى من خيار بعد ذلك سوى التقدم ببلاغ إلى النائب العام المستشار عبدالمجيد محمود فى الأسبوع الأول من شهر مايو 2008، والذى أحال البلاغ بدوره إلى المستشار مصطفى خاطر رئيس النيابة بالمكتب الفنى للنائب العام.
وعلى مدى ساعتين أدليت بأقوالى أمام المستشار خاطر تحدثت خلالهما عن كيفية استحواذ شركة العز لحديد التسليح على نسبة 50.28 % من أسهم شركة الدخيلة للحديد والصلب عن طريق مبادلة الأسهم والزيادة الوهمية لرأس المال، وقد قدمت المستندات الخاصة بتملك هذه النسبة، وكذلك المستندات التى تثبت كيف ارتفعت أرباح شركة العز لحديد التسليح من 179 مليونًا عام 2005 أى قبل الاستحواذ إلى 2 مليار و178 مليون جنيه فى أعقاب الاستحواذ عام 2006.
وقد تحدثت عن الممارسات الاحتكارية للشركة، وقدمت الأدلة والوثائق التى تؤكد ذلك، وطالبت بضرورة تدخل الجهات المعنية لوقف خطورة تلك الممارسات، وما تمثله من تداعيات اقتصادية خطيرة على الاقتصاد القومى وعلى المواطنين.
وفى اليوم التالى كان النائب العام يُصدر قراره بإحالة ملف القضية إلى وزير الصناعة والتجارة ليحيله بدوره إلى جهاز حماية المنافسة ومنع الممارسات الاحتكارية لإعداد تقرير حول هذه الاتهامات.
وبالفعل أعلن النائب العام قراره الذى تناقلته وسائل الإعلام وراحت تتابع الحدث المهم الذى شغل مصر كلها، وأشهد أن حالة من التفاؤل قد سادت الكثيرين يومها، غير أن البعض لم يصدق أن جهاز حماية المنافسة يمكن أن يوجه أى إدانات لشركة العز لحديد التسليح.
وقد استند هؤلاء فى تحليلهم إلى أن وزير التجارة لم يفِ بوعده السابق بإعلان نتائج التحقيقات التى يجريها جهاز حماية المنافسة منذ ديسمبر 2007 فى قضية احتكار الحديد وصمت الوزير أمام الارتفاع الجنونى لأسعار الحديد، ورفض الحكومة التدخل لكبح هذا الارتفاع الخطير فى الأسعار رغم أن المادة (10) من قانون حماية المنافسة تجيز تدخل مجلس الوزراء لتحديد سعر بيع منتج أساسى أو أكثر لفترة زمنية محددة.
وبعد التحقيق معى أمام المكتب الفنى للنائب العام تم استدعائى لجلسة تحقيق أمام جهاز حماية المنافسة للاستماع إلى شهادتى فى البلاغ المقدم منى، وقد ذهبت فى الموعد المحدد، وكان من ضمن المشاركين فى جلسة المناقشة الاستاذة منى ياسين رئيس الجهاز وإلى جوارها ثلاثة من كبار الباحثين.
وقد تناولت جلسة المناقشة عنوانًا واحدًا ووحيدًا هو «الممارسة الاحتكارية لشركة العز» وكانت إجاباتى تتركز فى أن تحديد التسعيرة يجب أن يقابله تقديم المنتج أسعار التكلفة بشفافية لمراجعتها مع الصناعات المماثلة على مستوى العالم، وقمت بسرد العديد من الشواهد على هذه الممارسات الاحتكارية، واستعنت فى ذلك بالإعلان الذى نشره أحمد عز فى الصحف والذى وحَّد فيه سعر بيع جميع الأقطار من قطر 8 مللى حتى قطر 22 مللى، وهذا مخالف لأعراف المنتجين فى شتى أنحاء العالم، لأن الهدف من وراء ذلك هو التحكم فى السوق وتعطيشه مما يمكنه من رفع الأسعار كيفما يشاء.
وتحدثت عن اتفاق غير معلن بين الشركة وعدد من وكلائها، واتفاق غير مكتوب بين الشركة ومنتجين آخرين لرفع الأسعار، فى حين أن الميزات التى تملكها شركة العز، ومنها ثلاث وحدات لإنتاج الحديد الإسفنجى، كفيلة بتخفيض سعر الطن بقيمة 2000 جنيه عن الشركات الأخرى المنتجة.
ولقد ضربت مثلاً بالأرقام حول دعم الحكومة للغاز وقيمة المواد المستوردة من الخارج، وكلها مبررات تدفع إلى تخفيض سعر طن الحديد عما هو عليه الآن، وبحيث لا يتعدى الأربعة آلاف جنيه، وقدمت إلى الجهاز العديد من الوثائق المهمة التى تدعم ما طرحته من تحليل ومعلومات حول تلك القضية.
وقد تابعت الصحف ومواقع التواصل ووسائل الإعلام تفاصيل التحقيقات، وأصبحت القضية حديث الرأى العام فى هذا الوقت.
بعدها بأيام قليلة فوجئت بتليفون من اللواء أبو الوفا رشوان رئيس سكرتارية الرئيس مبارك، يطلب مقابلتى بعيدًا عن مبنى رئاسة الجمهورية، اتفقنا معًا على اللقاء فى الشارع الذى يتواجد فيه منزل الزعيم الراحل جمال عبدالناصر بمنشية البكرى، وفى الساعة المحددة، كان اللواء رشوان قد جاء وحيدًا ويرتدى بنطلونًا وتى شيرت، نزل من سيارته التى كان يتولى قيادتها بنفسه، وركب معى فى سيارتى وجلسنا سويا لنتحدث فى الأمر.
قال لى: أنا أنقل إليك رسالة ولست صاحب رأى فيها.
قلت له: حضرتك تعرف قيمتك عندى.
قال: هناك رسالة من شخصية هامة، بأن تسحب البلاغ المقدم منك إلى النيابة العامة ضد أحمد عز.
قلت له (وقد أخذتنى الدهشة): ومن الذى يطلب ذلك، هل هو الرئيس مبارك؟!
صمت اللواء أبو الوفا رشوان لبعض الوقت، وقال: أيًا كان الذى طلب، فأنا أريد أن أقول لك، هذا الرجل لن يستمر طويلا، إديله سنتين فقط، وكل شىء سينتهى، إنما البلد دلوقتى فى وضع صعب وهذا الموضوع عامل ضجة كبيرة.
قلت له: ولكن سيادة الرئيس يقول إننى لن أتستر على أى فساد.
قال: أنا أنقل الرسالة وفقط، ورأيى أحتفظ به، أنت عارف مواقفى، وأنا أرفض أى خطأ، أيا كان صاحبه، أنا فقط كُلفت بإبلاغك هذه الرسالة، وأنت صاحب القرار.
قلت له: أنا لن أسحب البلاغ، وهم أحرار يفعلوا ما يريدون، يجمَّدوه، يحفظوه، أنا قمت بما يمليه علىَّ ضميرى، ولا أبغى شيئا سوى مصلحة الوطن، لأن سحب البلاغ معناه أننى أحكم على نفسى بالموت.
بعدها ودَّعنى اللواء أبو الوفا رشوان وانصرف، وعدت أنا بدورى من حيث أتيت، وأنا أسائل نفسى عن سر هذه القوة التى يتمتع بها أحمد عز.. وهذا النفوذ الذى دفع المسئول الكبير لأن يبعث إلىّ بهذه الرسالة.
مضيت متجها إلى مكتبى، وعندما وصلت التقيت شقيقى محمود بكرى، وحكيت له تفاصيل ما جرى فى المقابلة، فقال لى: لقد أديت دورك بكل أمانة، وتحملت تبعاته بكل شجاعة وأرضيت ضميرك، وراعيت الله فى كل كلمة، والأمر الآن بين الجهات القضائية المختصة ولننتظر.
ظلت هذه القضية حديث الرأى العام داخل البرلمان وخارجه، كان الكثيرون رافضين لسلوك أحمد عز واحتكاره للحديد والتحكم فى أسعاره، إلا أن أحدا لم يكن مستعدًا أن يتصدى، بل وجدت فى هذه الفترة محاولات احتكاك بى من بعض النواب القريبين منه، إلا أن الغالبية كانت سعيدة، وكان البعض يأتى إلىّ ليشد من أزرى، ومع تضخم نفوذ أحمد عز وإصراره على المضى قدما فى طريقه، شهد مجلس الشعب أزمة عنيفة وقعت بينه وبين المهندس رشيد محمد رشيد وزير التجارة والصناعة، بسبب التعديلات التى قررت وزارة التجارة إدخالها على بعض أحكام القانون رقم (3) لسنة 2005 المعروف بقانون حماية المنافسة ومنع الممارسات الاحتكارية، وأمام عدم قدرة المهندس رشيد على تمرير مشروع القانون، اضطر إلى تقديم استقالته والسفر إلى باريس، وقد تحدثت عن ذلك بالتفصيل فى لقاء مع الإعلامى عمرو أديب فى هذا الوقت، إلا أن الرئيس مبارك رفض الاستقالة وطلب منه العودة إلى البلاد.