الدكتورة مها عبد القادر تكتب.. رمضان والعشر الأواخر
شهر رمضان هو شهر الطهر والنقاء، تجتمع فيه الأرواح على موائد الرحمة وتتجلي فيه القلوب بنور الإيمان، وتتزين النفوس بالطاعات والقربات، هو شهرٌ أُنزل فيه القرآن واصطفاه الله ليكون محطةً يتزود فيها المؤمن من معين الروح، متلمسًا رضا الرحمن، وطامحًا إلى العتق من النيران فهو هدية من ربُ كريم بعباده، كما أن العشر الأواخر فرصة لمراجعة النفس والتقرب إلى الله والتوبة الصادقة، لعلها تكون سببًا في مغفرة الذنوب ورفعة الدرجات.
ويُمر شهر رمضان الفضيل على القلوب كنورٍ يُبدد ظلام الغفلة، وكينبوع فياض يروي ظمأ الأرواح المتعطشة للقرب من الله، فيُحيي فيها معاني التقوى، ويوقظ فيها مشاعر الطهر والإخلاص، ويعيد ترتيب الأولويات، فتسمو الروح فوق الماديات وتتطهر فيه النفوس، هو شهر تتجلّى فيه رحمة الله بأبهى صورها، وتتنزّل البركات، وتُفتح أبواب السماء، فتجد القلوب في سكينته ملاذًا، وفي لياله أمانًا، وفي نهاره معراجًا نحو الصفاء، فلا يُدرك حقيقة رمضان إلا من استشعر حلاوة العبادة فيه، وتذوّق لذة القرب من الله، وأدرك أنه فرصة نادرة لتطهير النفس، وإعادة صياغة العلاقة بين العبد وربه.
وإذا كانت أيام رمضان كلها مواسم خير، فإن العشر الأواخر منه هي تاج هذه الأيام وذروة البركة، وسرّ النفحات الإلهية التي تفيض على العباد، وهي المرحلة التي تتجلى فيها عظمة الشهر بأسمى معانيها، حيث يتضاعف الاجتهاد وتتجلّى مظاهر العبادة الخالصة، ويخلو العبد إلى ربه يناجيه بقلب منفطر ويطرح بين يديه متضرعًا دعواته وأمنياته، طامعًا في رحمته ومغفرته والعتق من النيران، ساعيًا إلى بلوغ أسمى مراتب القبول والرضا، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يشد مئزره، ويحيي ليله، ويوقظ أهله، في إعلان صريح بأن العشر الأواخر ليست كغيرها، بل هي وقت للاجتهاد المضاعف، وميقاتٌ لسباق الروح نحو النور ونافذة للغفران تُفتح لمن سعى إليها بقلب صادق وهمّة عالية.
وفي قلب هذه العشر المباركة تتلألأ ليلة القدر كجوهرة ثمينة، ليلة تساوي بأجرها ألف شهر، ليلة تُكتب فيها الخير للعباد وتتنزل فيها الملائكة، ويعمّ فيها السلام حتى مطلع الفجر، هي ليلة انفردت بفضلها واختُصّت بقداستها، فكانت منحة ربانية تُبشر من قامها إيمانًا واحتسابًا بمغفرة ما تقدّم من ذنبه؛ فلا عجب أن يظل المؤمن طوال الشهر متحريًا أنوارها، باحثًا عن لحظتها مكثرًا من الدعاء، مستغفرًا، ساجدًا، مبتهلًا، عسى أن يكون ممن فازوا ببركتها، وشملتهم الرحمة، وكتبوا عند الله من السعداء.
إذا كانت ليلة القدر بابًا مفتوحًا لنيل العطايا الإلهية، فإن العشر الأواخر بكل تفاصيلها تمثل تجليًا وتطبيقًا عمليًا للمفاهيم التربوية والإيمانية التي يسعى رمضان لغرسها في قلب المؤمن، فهي مدرسة تزكي النفس، وتطهر القلب، وتعيد صياغة العلاقة بين العبد وربه على أسس من الصدق والإخلاص، ففي هذه الأيام المباركة، يتجرد الإنسان من شواغل الحياة؛ لينصرف بكليته إلى مولاه، متحررًا من قيود الغفلة، متوشحًا برداء الخشوع، متذوقًا حلاوة المناجاة، فتتعمق فيه مشاعر التوكل واليقين، ويذوب في لحظات القرب من الله، فتصفو روحه، ويسمو وجدانه، ويشرق قلبه بأنوار الطاعة.
وفي ظل هذه الأجواء الإيمانية، يتعلم العبد كيف يكون صدقه مع الله نابضًا بالحياة، بعيدًا عن الرياء والتكلف، وكيف يملأ الإخلاص جوانب نفسه، فيصبح عمله نقيًا لا يشوبه حرصٌ على مدح الناس أو اعتداد بالنفس، بل هو امتثال خالص لله، ورغبة صادقة في مرضاته، وفي هذه الأيام أيضًا يخوض العبد معركة داخلية مع نفسه، حيث يصبح الصبر دربه والمجاهدة سلاحه، والإرادة حصنه، فيقهر ضعف نفسه، ويجاهدها في الطاعة، فيبرهن على صلابة روحه، ويرتقي بفكره وسلوكه، ويثبت لنفسه قبل غيره أنه قادر على تجاوز كل العقبات، وأن روحه، المجبولة على حب الخير، أسمى من أن تخضع لقيود الدنيا وزخرفها الزائل، فيخرج من هذه العشر بروح أنقى، ونفس أقوى، وقلب ممتلئ بحب الله وسكينة القرب منه.
ولا تتوقف الدروس التربوية عند حدود الصبر والإخلاص، بل تمتد إلى أبعاد أعمق، إذ يتعلم العبد في هذه الأيام قيمة المداومة على العمل الصالح، فالعبادات في العشر الأواخر ليست لحظات استثنائية كل عام، بل هي تدريب عملي على جعل الطاعات جزءًا من نمط حياتنا، فندرك أن العلاقة مع الله لا تنحصر في وقت معين، وإنما هي مسيرة ممتدة لا تنقطع، ومن هنا نتعلم كيف نواظب على الذكر، ونثبت على الطاعة، فلا تكون العبادة موسمية، بل عبادة لله في كل زمان ومكان، مستشعرين قرب الله في كل تفاصيل حياتنا ومجددين الإيمان على الدوام.
كما يتعلم الإنسان في هذه الأيام قيمة العطاء، فكما يجتهد في الصلاة والذكر، يحرص أيضًا على الإنفاق في سبيل الله، مستشعرًا أن العبادة لا تقتصر على علاقة بين العبد وربه فحسب، بل تمتد إلى رحاب أوسع، تشمل نفع الآخرين وإغاثة الملهوفين وإدخال السرور على القلوب، ففي مدرسة العشر الأواخر، يتهذب القلب، وتُشحذ المشاعر بنور الرحمة، فيصبح العبد أكثر سخاءً، يمدّ يده بالعطاء لا طلبًا للثناء، بل طمعًا في الأجر المضاعف، مستلهمًا من رسول الله ﷺ الذي كان أجود ما يكون في رمضان، فيغرس في قلبه حب الخير، ويعتاد على البذل بسخاء، فيتصدق دون منّ، ويعين المحتاج دون تردد ويجبر الخاطر، فيرتقي بذلك من مجرد عابد يسعى للخلاص الفردي إلى إنسانٍ مُصلح، يحمل في قلبه همّ المجتمع فيتحول إلى شخص أكثر إحساسًا بالآخرين، وأعمق شعورًا بالمسؤولية المجتمعية.
إن هذه الليالي تصنع فارقًا في النفوس، فتجعلها أكثر نقاءً، وأعمق شعورًا بالمسؤولية، وأكثر حرصًا على أن يكون الخير نهجًا ثابتًا في حياته، لا موسمًا عابرًا ينتهي بانتهاء الشهر الفضيل، وفيها يدرك الإنسان قيمة الوقت، فيتعلم كيف يستثمر لحظاته فيما ينفعه، فيشعر أن كل دقيقة من هذه الأيام غالية، فلا يضيعها في اللغو أو اللهو، بل يحرص على اغتنامها في الصلاة والدعاء والاستغفار، فيدرك بذلك أهمية تنظيم وقته، وإدارة أولوياته، والسعي إلى استغلال العمر فيما يعود عليه بالنفع في الدنيا والآخرة، وهذا الفهم العميق لقيمة الزمن ينعكس على حياته كلها، فيصبح أكثر جدية في التعامل مع وقته، وأحرص على اغتنامه فيما يفيده، وأبعد عن التسويف والإضاعة.
ونؤكد أن العشر الأواخر من رمضان ليست مجرد ليالٍ تمضي، بل هي رحلة روحية وتربوية متكاملة، تهذب السلوك، وتغذي القلب، وتمنح العبد فرصة ليكون إنسانًا جديدًا، أنقى روحًا، وأقوى إرادة، وأكثر حبًا لله، وأشد حرصًا على الطاعة، وأكثر إحساسًا بقيمة حياته ورسالة وجوده، فمن أدرك حقيقتها، واغتنم لحظاتها، خرج منها وقد تبدل حاله، وارتفعت همته، وازداد يقينه، وأصبح أكثر استقامة وثباتًا على طريق الهداية، وأكثر اعتمادًا على الله، وأكثر طمأنينة في مواجهة الحياة، وأقل اضطرابًا أمام ابتلاءاتها، لأن قلبه قد ذاق السكينة، وروحه قد تنعّمت بالقرب من الله، متطلعًا إلى أن تكون كل أيامه امتدادًا لنفحات هذه الليالي المباركة.