رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري
الجمهور الإخباري
رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري

شهادات وذكريات يرويها مصطفى بكري لـ«الجمهور».. حلوان تنتصر فى 2005

مصطفى بكري
مصطفى بكري

الجماهير تهتف ( ليلة سودة .. ليله طين علي خدوا البطاطين)

رغم التزوير أعلن فوزي علي مرشح الحزب الوطني بفارق كبير

جماهير القري في قنا خرجت علي الطريق الرئيسي من الأقصر إلي بلدتي احتفالا بالفوز

 

هذه ليست قصة حياة، بل شهادة حية على مرحلة تاريخية مهمة، عشت فصولها، انتصاراتها وانكساراتها، حلوها ومرها، اقتربت من صناع هذه الأحداث أحيانًا، وكنت ضحية لعنفوانهم في أحيان أخرى، معارك عديدة دخلتها، بعضها أودي بي إلى السجون، لم أنكسر، ولم أتراجع عن ثوابتي، وقناعاتي.

أروى هذه الشهادات التي ينشرها موقع "الجمهور" بصدق وموضوعية، بعض شهودها أحياء، والبعض رحل إلى الدار الآخرة، لكن التاريخ ووقائعه لا تنسى، ولا يمكن القفز عليها، وتزوير أحداثها.

في هذه الحلقات التي ينشرها موقع "الجمهور" يوم "الجمعة" من كل أسبوع، يروي الكاتب والبرلماني مصطفى بكري شهادته عن أزمات وأحداث كان شاهدًا عليها، خلال فترات حكم الرئيس السادات والرئيس مبارك والمشير طنطاوي ومرسي والرئيس السيسي.

 

مؤتمرات حاشدة وإصرار على الاستمرار في الانتخابات البرلمانية

بعد التجربتين السابقتين فى الانتخابات البرلمانية 1995، 2000 والتدخل الحكومى السافر، كنت قد قررت مراجعة الأمر جيدًا مع أبناء دائرة حلوان ومايو والتبين، كان إصرار الناس على الاستمرار كبيرًا، ومع إعلان بدء الحملة الانتخابية قررت الانخراط فيها بكل قوة.

منذ البداية التفت الحشود الكاسحة، آلاف المواطنين من كافة المناطق، رأيت فى وجوههم إصرارًا قويًا على مواجهة كل التحديات، انتفضت الدائرة من شمالها إلى جنوبها، عاد الأمل إلى النفوس مجددًا، كثيرون لم يصدقوا الحديث عن الحياد والشفافية فى الانتخابات القادمة، لكن كان لديهم إصرار على المواجهة وعدم الاستسلام.

الفريق أول محمد فوزي في مؤتمر جماهيري في حلوان لدعم بكري
الفريق أول محمد فوزي في مؤتمر جماهيري في حلوان لدعم بكري


بدأنا بعقد المؤتمرات الحاشدة، كان المؤتمر الأول فى منطقة التبين وحضره عشرة آلاف شخص، مضوا بعد المؤتمر فى مظاهرة حاشدة طافت الشوارع وهزت الأركان، ومرت الأمور بسلام، وبعدها بنحو يومين كان هناك مؤتمر حاشد فى منطقة (15 مايو) حضره عدد من قيادات التجمع الوطنى للتحول الديمقراطى الذى كنت المتحدث الرسمى باسمه، حيث حضر د. عزيز صدقى رئيس الوزراء الأسبق ود. يحيى الجمل الوزير الأسبق والكاتب والإعلامى الكبير حمدى قنديل والإعلامى الكبير أسامة الشيخ.
تحدث الجميع عن الأزمة التى كانت تعيشها البلاد وسبل مواجهتها على كافة الاتجاهات، لكن كلمات الإعلامى الكبير حمدى قنديل عن الحزب الوطنى وقضية التوريث جرى استغلالها بشكل تحريضى كبير ضدى شخصيًا.

 

جماهير حاشده في مؤتمرات بكري في حلوان
جماهير حاشده في مؤتمرات بكري في حلوان

رسالة للرئيس مبارك للمطالبة بالحياد في الانتخابات

لقد أشاع البعض فى هذا الوقت أن قرارًا قد اتخذ بإسقاطى، وأن الباب بات مفتوحًا أمام مرشح الحزب الوطنى المهندس نبيل الجابرى رئيس الشركة القومية للأسمنت، متابعًا:" بعد ذلك فوجئت بالعديد من كبار رجال المباحث والأمن بمديرية أمن القاهرة يتدفقون إلى حلوان، حيث بدأوا فى استدعاء رموز العائلات والقيادات الشعبية والعمالية وتحريضهم ضدى، بل تم استدعاء بعض المرشحين خاصة من المرشحين على مقعد العمال وطلبوا منهم التنسيق مع مرشح الحزب الوطنى بهدف إسقاطى، وكانوا يشيعون فى هذا الوقت أن هناك قرارًا قد اتخذ على أعلى المستويات يقضى بإسقاطى، ولذلك بعثت برسالة إلى الرئيس مبارك من خلال صحيفة «الأسبوع» طالبته فيها بالحياد فى المعركة الانتخابية".

معركة الانتخابات

كانت كل التحركات تجرى خفية، وكانت التعليمات بالتدخل تبدو جادة، بالرغم من التعهدات التى تلقيتها من عدد من كبار المسئولين بالتزام الحيدة.
وفى اليوم الأول للانتخابات، فوجئنا باكتشاف أوراق اقتراع خاصة بالدائرة (25) المرشح عليها موجودة فى الدائرة (24) والتى يترشح عليها وزير الدولة للإنتاج الحربى، ساعتها أدركت أن البطاقات الانتخابية الخاصة بالدائرة المرشح فيها متناثرة فى أماكن بعيدة عن الدائرة، كان ذلك فى وقت مبكر من صباح اليوم الأول للانتخابات، وبعد قليل بدأت المعلومات تتدفق عن وقائع تزوير يجرى ارتكابها فى لجان السيدات بعدد من المناطق، بالإضافة إلى العديد من التجاوزات الأخرى التى كانت تقوم بها عناصر الحزب الوطنى المدعومة من عناصر الأمن.
فى لجان الفرز بعد ذلك، بدأت الأمور عادية فى البداية، ولكن لوحظ أن عمليات الفرز بدأت قبل أن تصل صناديق حلوان البلد التى شهدت تجاوزات كبيرة لصالح مرشح الحزب الوطنى وكذلك الحال بعض صناديق 15 مايو ومنطقة كفر العلو.
كانت النتائج الأولية تؤكد حصولى على نحو 80% من الأصوات، ولكن فجأة بدأت الأمور تتغير بعد وصول الصناديق التى تأخرت بدون مبرر، وفجأة أغلق بعض المشرفين على اللجان الأبواب وصرفوا المندوبين وبقى الناس فى الانتظار، لقد تحركت السيارات باتجاه اللجنة العامة، لم نكن ندرى ماذا حدث بداخل السيارات التى كان الأمن يشرف على متابعتها حتى مقر اللجنة العامة، ولكن حدثت المفاجأة داخل الفرز، حيث بدأت الأصوات التى حصل عليها مرشح الحزب الوطنى تتزايد، بل وتتفوق فى هذه الصناديق بدرجة كبيرة على الأصوات التى كنت أحصل عليها، انتهت عملية الفرز فى الحادية عشرة والنصف مساء، كان القلق باديًا على ضباط الأمن الذين تواجدوا داخل لجان الفرز بكثافة، ورفضوا الانصياع لمطالب المرشحين بإخراجهم من داخل لجان الفرز، وقبيل حدوث ذلك، كانت قد اتصلت بى قناة «أوربت» على الهواء، وسألتنى عن موقفى من العملية الانتخابية، قلت لهم: «إن الأمن كان محايدًا، وأن ثقتنا فى القضاء كبيرة، ولكن بعد وقت قليل بدت الصورة الأخرى تتضح»، كان الجو متوترًا، ضباط المباحث يدخلون ويخرجون، اتصالات تجرى، وصناديق يؤجل إعلان نتيجتها، وبعد الانتهاء من الفرز أصبح الأمر معلقًا لأكثر من 4 ساعات دون أن يعرف أحد ماذا يجرى بالضبط.


غادرنا إلى منازلنا فى وقت متأخر من هذا المساء، وفى اليوم التالى أعلنت النتيجة التى مثلت صدمة للمواطنين، إذ قالت اللجنة المشرفة إن مصطفى بكرى حصل على (7837) صوتًا، ومرشح الحزب الوطنى نبيل الجابرى حصل على (5235) صوتًا، وهنا تساءل الناس: من أين لمرشح الحزب الحصول على هذا الرقم وكيف لمصطفى بكرى أن يدخل الإعادة وهو الذى ظل مكتسحًا منذ البداية، وهل يعقل أن يكون الفارق بينه وبين مرشح الحزب فقط (2502) صوتًا؟!، لم تصدق حلوان وقائع ما جرى، كان الناس غاضبون وخرجوا يهتفون فى الشوارع «ليلة سودة.. ليلة طين على اللى خدوا البطاطين» وكانوا يقصدون آلاف البطاطين التى وزعها الحزب الوطنى فى هذه الانتخابات.
بعد أيام من إعلان النتيجة جاء إلينا بعض المواطنين بأوراق انتخاب وجدوها ملقاه فى ترعة الخشاب بمنطقة كفر العلو ومناطق أخرى، (800 بطاقة)، حيث جاءت إلينا المعلومات لتقول إنه تم استبعاد هذه البطاقات الانتخابية المصوت عليها لصالحى وجرى استبدالها ببطاقات مزورة، حملت هذه البطاقات وقدمت بها شكوى إلى رئيس اللجنة العليا للانتخابات للتحقيق فى هذا التزوير، إلا أن الأمور مضت دون تغييرات، وأصبحنا أمام جولة الإعادة بلا محال.

 

مصطفى بكري وشقيقه بأحد المؤتمرات الانتخابية
مصطفى بكري وشقيقه بأحد المؤتمرات الانتخابية

وفى هذا المساء شعرت مجددًا بالظلم والقهر، عادت إلى ذهنى مشاهد انتخابات 1995، عندما تم الإعلان عن الإعادة بينى وبين وزير الأوقاف بفارق لم يزد عن (500) صوتًا بعد التزوير، وفى جولة الإعادة حدث التزوير الفاضح فى كافة اللجان، مما دعانى للانسحاب مبكرًا بعد ما رأيت.
مرت الأيام ثقيلة كأحداثها وجاءت انتخابات (2000) التى فزت فيها فى الجولة الأولى بـ7 آلاف صوت مقابل 4 آلاف صوت حصل عليها وزير الأوقاف، ومع ذلك قالوا «إعادة» تجرعت المرارة والألم وفى الإعادة منع الناخبون من الإدلاء بأصواتهم فى كافة اللجان التى حققت فيها فوزًا كاسحًا وتحديدًا منطقتى (15 مايو) و«المساكن الاقتصادية».
لم يتطرق اليأس إلى نفسى أبدًا، وكان الناس أشد إصرارًا على تحقيق الفوز.
ورغم كافة الإغراءات والتهديدات وزيارات الوزراء ومساندتهم لمرشح الحزب الوطنى، إلا أن جماهير حلوان صممت على تحقيق الانتصار الذى حدث بالفعل فى مساء الثلاثاء 15 من نوفمبر عندما أعلن المستشار محمد جمال أحمد كامل عن فوزى الساحق على مرشح الحزب الوطنى.


الفرحة تعم حلوان و15 مايو

عمت المظاهرات كافة مناطق حلوان والتبين و15 مايو، سهر الناس حتى الصباح، شعر الناس لأول مرة بطعم الحرية بعد أن تحرروا من سيطرة الحزب الحاكم ومصادرته لأصواتهم وحريتهم، وعندما قررت الذهاب للاحتفال مع أهلى فى قنا، خرجت الجماهير الحاشدة فى الطريق من الأقصر إلى قنا بعد أن شاع موعد وصولى على الطائرة التى ستحط فى الأقصر، ومنها استقل السيارة إلى بلدتى «المعنى» فى قنا.
 

استقبالات حاشده في بلدتي ( المعنا) بعد الفوز
استقبالات حاشده في بلدتي ( المعنا) بعد الفوز

لقد جاء إلى المطار المئات الذين استقلوا أسطولًا من السيارات يرفعون علم مصر وصورتى، كانت الجماهير الغفيرة تنتظر أمام القرى بطول 56 كيلومترًا حتى وصلت إلى بلدتى، وهناك وجدت الآلاف فى انتظارى، وكان إلى جوارى شقيقاى محمود وأحمد وبقية الأشقاء، لقد عقدوا احتفالًا ضخمًا حضرته جماهير غفيرة من أبناء بلدتى وأبناء مراكز محافظة قنا وبعض المحافظات الأخرى، وأصر العشرات من أبناء حلوان على أن يشاركونا هذه الفرحة التى جاءت بعد سنوات من القهر وتزوير إرادة الناخبين.

تم نسخ الرابط