عصام محمد عبد القادر يكتب.. حَتْمَيَّةُ الْوَعيِّ الرَّقَميِّ
يَمنحنا الوعيُّ الرقميُّ المُشاركةَ بِصورةِ إيجابيةٍ عبْرَ البيئةِ الافْتَراضِية؛ حيثُ يمدُّنا بمقوماتٍ تجعلُنا نحافظ على ما لدينا من خصوصية ونتعرض لسلبيات لا حصر لها؛ فهُناك من يتنمر، وهُناك من يحتال ويُمارس أساليب وطرائقَ النصب، وهُناك من يُهكِّر المُحتوى ويحْتلُّ مُكونات الأجهزة الرقميَّة، وهُناك من يسرق الأموال وينْهَب المُستندَات، وهُناك من يفكِّر بأسلوب غير سَويِّ على مَدار الساعة كَي يتكسَّب بِشكل غَير مَشروع عَبْر الفضاء الرقميّ المفتوح.
الأمرُ لا يتوقَّف عند هذا الحد؛ فهُناك ثمراتٌ يانعةٌ جراءَ امتلاك الوعيِّ الرقميِّ؛ فعَبْرَ بوَّابته نستطيع أن نتعامل بصورة صحيحة مع الوعاء المعلوماتي المُتضخِّم عبْرِ الشَّبكة الدَّولية؛ ومِنْ ثَمَّ ننتَقِى ما يُفيدنا في مَجال نهتَّم به، ونترك ما لا صَيْب فيه، كمَا أنَّنا نستطيع أن نُفنِّد الصَّحيح من المَغلوط، أو المَشوبِ، أو المُزيِّف، أو المَكذوب؛ حيثُ امتلاك مَهارات التَّفكير النَّاقد، والوثُوق في المصَادر الرسْمية المُعترف بها والمَصادر الأصْيلة وِفق الشاهد والدليل.
الوعيُّ الرقميُّ يحثُّ الفرد على الاستخدام أو التوظيف السَّليم والصَّحيح لكلِّ مَا يحُوزه مِن مَعلومات أو يتحصَّل عَليه مِن بَيانات بِصورة مَشروعة؛ ومنْ يُصبِح بعيدًا كُل البعد عمَّا نسمَّيه الانتحال، تلك المُمارسة غيرَ القَويمة التي يَسمحُ فيها المُستخدم لنفسه أن يسْرِق جُهود ومَجهود غيره ويَنْسَبه لنفسه أو يدَّعي زَورًا أنَّه من نتاجه، وهذا الأمر للأسف مُنتشر كثيرًا في ساحات البيئات الرقميَّة على وجه التحديد؛ فَهُناك فَاقدي الوَعي الرَّقميّ وهم ليسوا بالقليل.
وأعتقدُ أنَّ التميّز التَقنيَّ المَشفوع أو المَصحوب بِخُلق قَويم مِن الأمور الدَاعمة لأَنْ يَكون الفَرد مَالكًا لِمَهارات مُتفردَة تَفتح له مَسارات لا حصْرَ لَها في سُوقِ العمل عَلى المستويين المَحلي والعَالمي، بل ويصل مِن خِلالها لمدَاخل الابْتَكار والرِيادة والتِي بِهما يَمكنه أَنْ يَكون مُخترِعًا أَو قَادراً عَلى حلِّ المُشكلات المُعقَّدة في مَجاله، وهُنا يَتوجَّب أَنْ نُغذِّي أَبْناءَنا بالقِيم النَبيلة المُتلازمة مَع فلسفة الوعيِّ الرقميِّ؛ ليُصبحوا مُنتِجين وليس مُستهلِكين.
التَّعاملُ مع التَّقنيَات الرَقمية صَار لِزامًا وليس مِن قَبيل التَّرف؛ فقدْ أضحت الأنشطة التعليمية والأنشطة الحياتية مُمتزجَة بالبيئات الرقمية؛ ومِنْ ثَمَّ يِنبغي أن نُساعد فَلَذات الأكْبَاد في أن ينهلوا من فيَض الخَبرات المربية التي تتدفَّق عَبْر الفضاء الرقمي في شتى المجالات؛ لكن لا يؤمن في المقابل الجوانبُ السلبيةُ التي تتأتَّى بها تلك البيئات؛ لِذا بات تنمية الوعي الرقمي سياج الحماية لهم مِن تلكم السلبيات وما قد ينْتِج عنها من تهديدات ومَخاطر.
جِيل تِلْو آخر لا نتخلف معه ولا نضع ما يَعوقه مِن أَنْ يَأخذَ فرصَته تجاه تعلُّم رقميّ مدَى الحياة؛ فالمواطن الرقمي في أيامنا تلك أضحى من مُقومات التنمية المُستدامة؛ حيث المُناداة بالتَّحول الرقَمي في شتَّى المَجالات، وهُنا صَار التَّمسك والالتزام والانصياع لتعزيز الوعي الرقمي أمرًا حتميًا، وليس من قبيل الاختيار؛ لنضمن أن تصبح بيئات المستخدمين أكثر أمنًا وتتمتع بالسلامة، وتحثُّ المُستخدِمين على مزيد من العَمل والعَطاء واتقان اكتساب الخبرات في مَجالاتها المُتباينة مَحل الاهتمام.
نحنُ في احتياج لمَزيد من البرَامج التدريبية التي مِنْ شَأنِها تُساهم في تنميةِ الوعي الرقمي لَدى مُستخدمي البيئة الافتراضية؛ كي يصونَ الفرد نفسه ويحمي مُقدَّراته ويَكتسب كلَّ جديد يساعده في تَنامِي خِبراته في مَجال ويسعى للتَّواصل مع الآخر بُغية مَزيد من الاستفادة وتَبادُل الخبرات، ويتعامل مع أقرانه وِفْقَ قواعد وآداب السلوك الرقمي القويم، وهُنَا نَضْمَنُ استَدامة الحياة الرقمية من المُنغَّصات التي تضير ببناء الإنسان.
دعونا ننظر بتأمُّل لإيجابيات التقنيات الرقمية ونلتمس الثمرات التي تتمَخْض عن توظيفيها في شتَّى المَجالات الحياتية والتعليمية والعلمية وهُنا نَثِقُ في أهميتها ودورها الفاعل في بناء خبرات مُتنوعة لا غِنَى عنها؛ لِنضْمَن مُواكبة التَّطور ونستطيع أنْ نُلحق بِرَكْب التقدُّم المُتسارع مِن خلال أجيال قادرة على الإنتاج والعَطاء، وهذا لا يتأتَّى بَعيدًا عن امتلاك وعي رقمي أضحى سياجًا حتميًا لبيئةٍ رقميةٍ مفيدةٍ.. مَحَبَّتِي للجميع.