رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري
الجمهور الإخباري
رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري

عصام عبد القادر يكتب: رمضان.. شهر تهذيب النفوس

دكتور عصام عبد القادر
دكتور عصام عبد القادر

تربية الإنسان على سلوكيات قومية ليس بالأمر الهين؛ إذ يتطلب بداية ترغيب يحضه على الإقدام، وفريضة الصيام شرعت من أجل ثمرات يصعب حصرها؛ لكن الأمر لا يخلو من تنمية المقدرة على التحمل وتهذيب النفس وتزكيتها والإكثار من العطاء ومزيد من الأعمال الصالحة التي يكسوها البر والتراحم والوصال؛ فرغم رخصة الإفطار لغير المقتدر أو المستطيع؛ إلا أن الأفضلية لمن صام لما فيه من خيري الدنيا والآخرة، وفي هذا الشأن قال الله – تعالى - في كتابه العزيز. أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ ۚ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ۚ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ ۖ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ ۚ وَأَن تَصُومُوا خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ.. 184 البقرة.


وتهذيب النفس تعني أن يتخلى الإنسان منا عن كل ما من شأنه يؤثر على صفاء وجدانه؛ فرغم الامتناع عن شهوتي البطن والفرج؛ إلا أن هنالك العديد من السلوكيات غير المرغوب فيها تجنبها وهجرها والابتعاد عنها بالكلية؛ حيث الرغبة الحقيقية في الحصول على مثوبة خصها الله تعالى لنفسه، كما ورد عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (قال الله عز وجل: كل عمل ابن آدم له إلا الصيام؛ فإنه لي وأنا أجزي به، والصيام جنّة، وإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث، ولا يصخب، فإن سابّه أحد أو قاتله فليقل: إني امرؤ صائم، والذي نفس محمد بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، للصائم فرحتان يفرحهما: إذا أفطر فرح، وإذا لقي ربه فرح بصومه) رواه البخاري ومسلم.


كل منا يسعى إلى غاية واحدة في شهر تهذيب النفوس؛ ألا وهي كبح جموح النفس والكف عن كل ما يؤدي إلى إضعاف العزيمة والإرادة؛ فمواصلة الصيام مشفوعًا بقراءة القرآن والأذكار وصلوات الجماعة والقيام والتهجد؛ بالإضافة لأعمال البر المختلفة تعد وقود زاد الصائم ليستطيع أن يستكمل المسيرة ويغفر له ذنوبه؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من صام رمضان إيماناً واحتساباً، غُفر له ما تقدم من ذنبه) رواه الشيخان.


ما أجمل من نفس تم تهذيبها فتمارس صحيح السلوك في السر والعلن! وتدع كل ما يشوب الأذهان ويعكر صفو الوجدان؛ فقد نظم الشارع الحكيم صورة العلاقة بين المرء وزوجه في شهر رمضان، وخطة الصيام بشكل واضح لا اجتهاد فيه؛ حيث قال -تعالى-: (أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتَانُونَ أَنفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْ فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُواْ مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّواْ الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ) .. 187 البقرة.


إن منهجية الصيام لها أثر فعال على الخلاص من شرور النفس وشهواتها التي لا تنتهي؛ حيث يهيئ الصيام الإنسان لممارسات حميدة منها تقليل المأكل والمشرب قدر الإمكان، حتى في وقت إباحة الإفطار، وممارسة وأداء العبادات التي من شأنها ترقي النفوس، وتعمر القلوب، وتخضع الجوارح لفعل الطاعات وترك ما دونها؛ فالأحاديث النبوية أكدت على عظيم الأجر؛ ومن ثم ورد أن الصيام يشفع لصاحبه يوم القيامة، فقد روى الإمام أحمد عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: الصيام والقرآن يشفعان للعبد، يقول الصيام: رب إني منعته الطعام والشهوات بالنهار فشفعني فيه، ويقول القرآن : منعته النوم بالليل فيشفعان.


ما أروع من أن يقدم كل منا الصالحات من الأعمال في السر والعلن، ونخيم حديثنا بوعد رب العالمين لنا في قوله تعالى: وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ.. 72 الزخرف. جعلنا الله عز وجل منهم بفضله وكرمه.. محبتي للجميع.

تم نسخ الرابط