أوروبا أمام مفترق طرق: استمرار التبعية الأمريكية أم قوة عسكرية مستقلة؟
تشهد أوروبا مرحلة مفصلية في سياستها الدفاعية بعد فوز الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بولاية جديدة، وتصاعد الضغوط الروسية على حدود الاتحاد الأوروبي.
وبدا أن المفهوم الفرنسي حول «الاستقلالية الاستراتيجية»، الذي دافع عنه الرئيس إيمانويل ماكرون لسنوات، بدأ يلقى آذانًا صاغية مع تبدل المشهد الدولي.

محادثات أمريكية - روسية تُقصي الأوروبيين
وفقًا لصحيفة بوليتيكو، فإن ترامب استهل ولايته بالتفاوض مباشرة مع موسكو حول إنهاء الحرب في أوكرانيا، مستبعدًا كييف والأوروبيين من المحادثات.
هذا النهج أثار مخاوف من تحالف أمريكي-روسي مفاجئ، قد يعيد ترتيب التوازنات الأمنية في أوروبا ويترك الاتحاد الأوروبي أمام تحديات غير مسبوقة.
ألمانيا تبحث عن بدائل أمنية بعيدًا عن واشنطن
ألمانيا، القوة الاقتصادية الأكبر في أوروبا، لم تتأخر في إعادة تقييم تحالفها مع الولايات المتحدة. فالمستشار الجديد فريدريش ميرز، الذي جاء بعد انتخابات مبكرة، أعلن الاستقلال عن «أمريكا ترامب»، محذرًا من احتمال انهيار حلف الناتو.
كما ألمح إلى إمكانية التعاون النووي مع فرنسا والمملكة المتحدة، في تحول دراماتيكي عن السياسة الألمانية التقليدية التي لطالما اعتمدت على المظلة النووية الأمريكية.

تحالف أوروبي جديد: باريس وبرلين في المقدمة
لم يمضِ وقت طويل قبل أن يسافر ميرز إلى باريس للقاء ماكرون، في خطوة تشير إلى بداية تنسيق أوروبي غير مسبوق، يهدف إلى مواجهة التهديد الروسي المحتمل، والتعامل مع التقلبات السياسية في واشنطن.
ماكرون: لحظة إثبات صحة الرؤية الفرنسية
لطالما أكد ماكرون ضرورة تطوير قدرات دفاعية أوروبية مستقلة، وهو موقف يستند إلى إرث الجنرال شارل ديجول، الذي كان يشكك في الاعتماد على الولايات المتحدة منذ الحرب العالمية الثانية.
جدير بالذكر أن فرنسا انسحبت سابقًا من القيادة المتكاملة للناتو في الستينيات، وطورت برنامجها النووي المستقل، ما جعلها تمتلك إحدى أقوى الصناعات الدفاعية عالميًا.

تحديات بناء قوة عسكرية أوروبية مستقلة
رغم الجهود الفرنسية والألمانية، إلا أن تحقيق الاكتفاء العسكري الأوروبي ليس بالأمر السهل، فبحسب دراسة نشرتها «ديفنس نيوز»، فإن أوروبا تحتاج إلى خمس سنوات على الأقل لبناء بعض الإمكانيات العسكرية التي توفرها الولايات المتحدة حاليًا، مثل:
- أنظمة القيادة والسيطرة الميدانية
- الأقمار الصناعية العسكرية لجمع المعلومات الاستخباراتية
- قدرات الضربات العميقة
إضافة إلى ذلك، لا تزال دول مثل ألمانيا وبولندا تعتمد بشكل كبير على الأسلحة الأمريكية، ما يجعل التحول نحو تحالف دفاعي أوروبي بقيادة فرنسا عملية معقدة.
أوروبا أمام مفترق طرق: استمرار التبعية أم بناء قوة مستقلة؟
تشير تصريحات الخبراء إلى أن الوقت قد حان لتجاوز المحرمات بشأن التفكير في نظام أمني أوروبي مستقل عن واشنطن. وتقول جيزين فيبر، من مؤسسة جيرمان مارشال فاند في باريس: «هذه لحظة قلت لكم بالنسبة لفرنسا.. الجميع في باريس يدرك ذلك، والجميع في قصر الإليزيه يعلم أن الأمر بات واقعًا لا مفر منه»

المستقبل: تعاون فرنسي-ألماني أم عودة إلى الحماية الأمريكية؟
مع عودة ترامب إلى السلطة وتزايد التهديدات الروسية، تجد أوروبا نفسها مضطرة للاختيار بين:
- الاستمرار في الاعتماد على الولايات المتحدة، رغم الشكوك حول التزامها طويل الأمد.
- بناء قدرات دفاعية مستقلة تحت قيادة مشتركة فرنسية-ألمانية، بما يشمل إمكانية تطوير منظومة نووية أوروبية.
الأسابيع المقبلة ستكون حاسمة في تحديد ما إذا كان الاتحاد الأوروبي سيتجه نحو استقلال دفاعي حقيقي، أم أنه سيظل مرتبطًا بالسياسات الأمريكية، رغم تقلبها.
