الحرب الروسية الأوكرانية، قصة صراع قد يعيد عصور العالم المظلمة
في 24 فبراير 2025، تمر الذكرى الثالثة لاندلاع الحرب بين روسيا وأوكرانيا، الصراع الذي وصفه الخبراء بأنه الأشد تأثيرًا في أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية. بدأ الصراع بغزو روسي واسع النطاق ومكاسب روسية قبل أن يشهد الموقف تحولًا كبيرًا في أسابيعه الأخيرة، ليس على الصعيد العسكري وحسب، بل على الصعيد السياسي، وسط عودة دراماتيكية للجمهوري دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، والذي كشفت تصريحاته موقفا مغايرا لسلفه الديمقراطي جو بايدن.
تبدو الحرب الروسية - الأوكرانية، مع مرور تلك السنوات وكأن لها نهاية في الأفق القريب، لكن تداعياتها بالتأكيد باتت حاضرة على الساحة الدولية بعد أن غيرت وجه العلاقات الدولية، وفتحت أبوابًا جديدة للتدخلات السياسية والاقتصادية. على الصعيد العسكري تكبدت أوكرانيا خسائر بدت فادحة بداية من خسارة السيطرة على مساحات واسعة من أراضيها المحاذية للحدود الروسية، تقدر بنحو 11% من مساحتها الإجمالية، ونهاية بمقتل الآلاف من جنودها.
اقرأ أيضا| هل اقتربت النهاية؟، مجلس الأمن يصوت على قرار بشأن حرب روسيا وأوكرانيا
تسيطر روسيا في الوقت الراهن - وفقًا لمعهد «دراسة الحرب» الأمريكي - على نحو 18% من أراضي أوكرانيا منذ عام 2014، بدأت بضم شبه جزيرة القرم، ثم ما لبت أن توسعت السيطرة الروسية لتشمل منطقة دونباس بعد اندلاع الصراع، غير أن الصمود العسكري للجيش الأوكراني المدعوم غربيا وأمريكيا، منحها فرصة كبيرة ليس فقط لتعويض خسائرها، ولكن الصمود في مواجهة الآلة العسكرية للدب الروسي.

هل أخطأ بوتين في الحساب؟
في 24 فبراير عام 2022، شنت روسيا هجوما عسكريا أطلقت عليه اسم «العملية العسكرية الخاصة»، وسط توقعات للرئيس الروسي فلاديمير بوتين، أن يسيطر جيشه على العاصمة الأوكرانية كييف في غضون أيام، لكن كان الواقع مغايرا تمام لكل الحسابات والتوقعات الروسية؛ فلا تزال العملية العسكرية الخاصة تمضي في طريقها للسنة الثالثة على التوالي، مخلفة وراءها دمارا هائلا وقتلى بالآلاف، وبدا أن الصمود الأوكراني، حتى وإن كان الدعم الغربي والأمريكي يقفان وراءه، كان مفاجأة كبيرة للكرلمين.
يرى محللون، إن المقاومة الأوكرانية «السرشة» قد فاقت كل توقعات الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، فالأخير لاشك كان يأمل في سقوط العاصمة كييف بعد أيام قليلة من مباشرة عمليته العسكرية، وربما توقع أيضا أن يفرض أمر واقع على الدول الغربية، التي بدت حينها منقسمة ومرعوبة، لاستعادة ما يصفه على الدوام بأنه أرض كانت تاريخيا جزءا من روسيا.
اقرأ أيضا| اتفاق سلام بين روسيا وأوكرانيا في 2025، ما هي الضمانات؟
ومع هذا لم ينجح الدعم الغربي اللا محدود لأوكرانيا، والذي كان يراد به في بداية الصراع استنزاف وريث الاتحاد السوفيتي الشرعي، وإضعاف نظام بوتين السياسي، في تحقيق هذا الهدف - كما يقول محللون- وبدا وكأنه وصل إلى حدود غير قابلة للاستدامة، فلم ترتدع روسيا عن خطتها ولم يسقط نظام بوتين، ليس هذا وحسب بل بات الغرب في معضلة كبيرة فيما يخص أوكرانيا؛ فهي تمثل ورقة استراتيجية كبيرة في صراع أوروبا مع روسيا، لكن في الوقت ذاته، يشكل استمرار الحرب عبئا ثقيلا على كل الناتو ودوله، فهو يستنزف موارده، ويفجر الخلافات السياسية بين أعضاء الحلف العسكري.

هل ينحاز ترامب إلى الرئيس الروسي؟
منذ بداية الصراع العسكري في أوكرانيا، ظلت الإدارة الأمريكية السابقة حريصة على دعم أوكرانيا ماليا، لمواجهة الجيش الروسي، إذ تشير التقديرات أن إدارة جو بايدن، الرئيس الأمريكي السابق، قدمت نحو 95 مليار دولار من المساعدات العسكرية والإنسانية إلى أوكرانيا، لكن مع عودة دونالد ترامب إلى كرسي الحكم في البيت الأبيض، وتصريحاته الحادة تجاه زيلنيسكي، أخذ الصراع منحى آخر على ما يبدو.
ترامب الذي كان قد وعد خلال حملته الانتخابية بإنهاء الحرب الروسية- الأوكرانية سريعًا، كان أول من انتقد إرسال المساعدات الأمريكية إلى أوكرانيا، بل أنه اقترح في السابق موقفًا جديدًا يشمل شروطًا مادية مقابل المساعدات، ما أثار القلق لدى كييف وحلفائها الغربيين.
وبحسب صحيفة نيويورك تايمز، فإن الرئيس الأميركي دونالد ترامب محق في سعيه لإنهاء الحرب الروسية الأوكرانية، إلا أن نهجه «غير فعّال وظالم لأوكرانيا»، مشيرة إلى أن ترامب بدأ التفاوض مع روسيا دون إشراك أوكرانيا أو حلف شمال الأطلسي (الناتو). وتشير الصحيفة، إلى أن ترامب لام أوكرانيا على الحرب، وطالب بالحصول على مواردها مقابل المساعدات العسكرية، وعدت الصحيفة تصرفاته هذه تحولا حادا في سياسة الولايات المتحدة الخارجية، وتحولا عن النهج الأميركي السابق الداعم لسيادة أوكرانيا.

نيويورك تايمز، تعجبت من موقف ترامب تجاه أوكرانيا، مشددة في الوقت ذاته أن «إعجاب ترامب الصريح بمتنمري العالم، قاده إلى الانحياز إلى فلاديمير بوتين ومهاجمة الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، معتبرة أن وصف ترامب، زيلينسكي بالدكتاتور يتعارض مع مُثُل أميركا ومصالحها وأمنها، ويقوض قيم الحزب الجمهوري، حزب ترامب نفسه».
اقرأ أيضا| نائب ترامب يكشف خطة مرشح انتخابات الرئاسة الأمريكية لإنهاء حرب روسيا وأوكرانيا
وكشفت الصحيفة الأمريكية، أن هجوم ترامب المدروس على مؤسسات أميركية وعلى سياسة البلاد الخارجية دفع المشرعين الجمهوريين إما للصمت أو للتراجع عن دعمهم لأوكرانيا، وعلّقت بقولها إن «الجمهوريين على علم بأن الآن ليس الوقت المناسب للتخلي عن أوكرانيا».
وعلى ما يبدو فإن مطالب وشروط الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، لاستمرار تقديم العسكري والمالي للدولة الأوكرانية، باتت مرهونة بالحصول على حصة كبيرة من الثروات المعدنية الأوكرانية، وما يعقد من المسألة أنها تأتي في وقت حرج، يواجه فيه الجيش الأوكراني تحديات عسكرية كبيرة، وسط انقسامات دولية حادة، ليصبح الرئيس الأوكراني، فولوديمير زيلينسكي، وحيدا حائرا بين مطرقة ترامب وسندان ثروات بلاده، وليبقى العالم على مقربة من العودة إلى عصوره المظلمة.