رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري
الجمهور الإخباري
رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري

فوقية.. امرأة تُؤنس وحشة المجهولين في رحلتهم الأخيرة

فوقية سيدة مصرية
فوقية سيدة مصرية تعمل في دفن الموتى

في قلب صمت المقابر، حيث تُروى الحكايات بلا كلمات، تقف فوقية، أول سيدة مصرية تعمل في دفن الموتى المجهولين، كحارسة للغائبين، شاهدة على أقدار انتهت دون وداع، لم تختر هذا الطريق، بل فرضته الحياة عليها حين فقدت والدها، فوجدت نفسها، وهي لم تتجاوز الثانية عشرة، تتحمل مسؤولية إعالة أشقائها، متوارثة مهنة لم تكن يومًا للنساء.  

طفلة تكبر بين القبور

كبرت فوقية بين شواهد القبور، حيث لا بريق للأمل إلا في أداء الواجب، تعلمت كيف تحفر قبورًا وتُهيل التراب بيديها الصغيرتين، حتى باتت المقابر عالمها الأكثر ألفة، لم يكن عملها مجرد طقوس دفن، بل رحلة مع قصص لم يُكملها أصحابها، وجوه شاحبة جثث مجهولة ظلت لأشهر في ثلاجات المستشفيات دون أن يسأل عنها أحد، ضحايا حوادث مفجعة، وأشخاص انتهت حياتهم على منصة الإعدام دون أن ينتظرهم أحد.  

تقول فوقية، وقد خطت التجارب القاسية ملامح وجهها: "مع مرور الوقت، وجدت نفسي أكثر ارتباطًا بالأموات، أفضفض لهم، وأشعر أنهم يسمعونني، بينما الأحياء لا يفهمونني."  

فوقية
فوقية

رسائل بلا ردود

تحكي فوقية عن المواقف التي غيرتها، عن تلك الجثة التي حملت آثار حروق مروعة، أو ذلك الشاب الذي ظل بلا هوية حتى لحظة دفنه، وعن الأمهات اللاتي غادرن الحياة دون أن يحتضن أطفالهن للمرة الأخيرة، كلما حملت جثمانًا إلى مثواه الأخير، شعرت أنها تمنحه شيئًا لم ينله في حياته: لمسة حانية، صلاة خاشعة، وداعًا يستحقه.  

رغم قسوة المشاهد، لم تفكر يومًا في التراجع، بل صارت تؤمن أن رسالتها هي أن تكون اليد التي تغلق العيون الأخيرة، والصوت الذي يهمس للراحلين: "لست وحدك".

عالم بلا أحياء 

لكن هذه الرحلة تركت أثرها عليها، صارت فوقية غريبة وسط الأحياء، تميل إلى العزلة، لا تجد الراحة إلا في التحدث مع من لا يستطيعون الرد، تبتسم بحزن وتقول: "الأموات أحن من الأحياء."  

ورغم وحدتها، لم تندم يومًا، لأنها تعرف أن هناك دائمًا من ينتظرها في ذلك العالم الصامت، حيث لا خيانة، لا ظلم، ولا فراق.. سوى ذلك الذي لا رجعة منه.

تم نسخ الرابط