الشيخ خالد حسن يكتب.. تحويل القبلة عود لما كان عليه الناس
نشهد وبفضل من الله عز وجل حدث عظيم وهو (عودة القبلة إلى بيت الله الحرام)، وتعمدت قولي هذا وهو (عودة القبلة) وليس (تحويل القبلة) لأن كلمة (تحويل) تعني في اللغة العربية (تحويل الشيء عن أصله)، فمثلًا إذا قلنا: حولنا العجين خبزًا، فالمقصود: حولناه من الأصل وهو العجين..
أما ما نحن فيه من حدث عظيم وهو عودة القبلة إلى ما كانت عليه إلى بيت الله الحرام، فهذا حدث عظيم؛ ولأن قبلة الناس كانت بداية الأمر تجاه المسجد الحرام لعموم قوله تعالى: (إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ ) ثم جعل الله تبارك وتعالى القبلة تجاه البيت المقدس لما فعله الناس من تعظيم وتبجيل للبيت ونسوا رب البيت وهو (الله) سبحانه وتعالى، فصارت الأمم قبل مجيء الإسلام يصلون ناحية بيت المقدس لما له من مكانة عظيمة.
وبعدما جاء الإسلام ظلوا ستة عشر شهرًا وفي رواية سبعة عشر شهرًا يصلون تجاه بيت المقدس، ثم رجا النبي - صلى الله عليه وسلم- ربه أن تكون القبلة ناحية بيت الله الحرام، وذلك الاختلاف ليس اختلافًا شخصيًا بل اختلافًا عقائديًا لأنه- صلى الله عليه وسلم - أمر بمخالفة العقائد التي تنافي عقائد الإسلام ديننا الحنيف.
وبديهي الأمر أننا لا نخالف الرسول أبدًا فيما أتى من تشريع وتعليم، ولما جاء الأمر بوحي من السماء بتحويل القبلة في قوله تعالى: (قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تعملون)، ولأن أمتنا أمة وسط ومبدأها سمعنا وأطعنا امتدحها عز وجل في قوله: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا).
وتشهد تلك الأمة على باقي الأمم في الدنيا والآخرة، أمَّا شهادةُ هذه الأمةِ في الآخرةِ فتكونُ على الأممِ السابقةِ، فعَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:” يُدْعَى نُوحٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيَقُولُ: لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ يَا رَبِّ، فَيَقُولُ: هَلْ بَلَّغْتَ؟ فَيَقُولُ: رَبِّ نَعَمْ، فَيَقُولُ لأُمَّتِهِ: هَلْ بَلَّغَكُمْ؟ فَيَقُولُونَ: مَا أَتَانَا مِنْ نَذِيرٍ، فَيُقَالُ: مَنْ يَشْهَدُ لَكَ؟ فَيَقُولُ: مُحَمَّدٌ ﷺ وَأُمَّتُهُ، قَالَ: فَيَشْهَدُونَ أَنَّهُ قَدْ بَلَّغَ، وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: {جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ}، قَال: وَالْوَسَطُ: الْعَدْلُ”. (البخاري).
فأمةُ مُحمدٍ ﷺ تشهدُ لنوحٍ وغيرِهِ بأنّهُم بلغُوا ونصحُوا بموجبِ ما جاءَ في القرآنِ الكريمِ، وهذا واضح أيضًا في استجابة الصحابة رضوان الله عليهم لأمر النبي - صلى الله عليه وسلم- بالصلاة تجاه بيت الله الحرام وهذا ثابت في السنن ، في حديث البراء بن عازب - رضي الله عنه- قال : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان أول ما قدم المدينة نزل على أخواله من الأنصار، وأنه صلى قبل بيت المقدس ستة عشر شهرا أو سبعة عشر شهرا، وكان يعجبه أن تكون قبلته قِبَل البيت، وأنه صلّى - أول صلاة صلاها - صلاة العصر، وصلى معه قوم، فخرج رجل ممن صلى معه فمر على أهل مسجد وهم راكعون، فقال: أشهد بالله لقد صليت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قِبَل مكة فداروا كما هم قِبَل البيت ، رواه البخاري، ولهذا شرفت مكة ايضًا بأن تكون قبلة المسلمين تجاه بيت الله الحرام، (اللهم بلغ بنا وعلمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا).
