موقع الجمهور في جولة بشارع المعز لدين الله الفاطمي (صور)
في قلب القاهرة القديمة، حيث تتنفس الجدران عبق التاريخ، يمتد شارع المعز لدين الله الفاطمي كأحد أقدم وأشهر شوارع العاصمة. هذا الشارع العريق، الذي يبدأ من باب الفتوح شمالًا وينتهي عند باب زويلة جنوبًا، يُعد متحفًا مفتوحًا يروي حكايات العصور الفاطمية والمملوكية والعثمانية، ويجمع بين الفنون الإسلامية والهندسة المعمارية التي تعكس روعة الحضارة المصرية القديمة.




عند التجول في الشارع، يلفت الانتباه تنوع المباني الأثرية التي تحكي قصصًا مختلفة، فمن بين هذه المعالم يبرز سبيل محمد علي، وهو أحد أروع الأسبلة العثمانية التي شُيدت في القرن التاسع عشر بحي النحاسين. يتميز بواجهته الرخامية ونوافذه المزخرفة بالمشربيات الخشبية، وكان يُستخدم لتوفير المياه للمارة، ما يعكس اهتمام العمارة الإسلامية بالجانب الخدمي. كذلك، نجد سبيل عبد الرحمن كتخدا، الذي يعود إلى القرن الثامن عشر، ويمزج بين وظيفتي السبيل، الذي وفر المياه للعامة، والكتاب، الذي خُصص لتعليم الأطفال القرآن الكريم، وهو مزدان بزخارف هندسية رائعة تعكس مهارة الحرفيين في ذلك العصر.




أما مسجد الحاكم بأمر الله، فهو أحد أبرز معالم الشارع وأكبر المساجد الفاطمية في القاهرة، حيث يعود بناؤه إلى القرن الحادي عشر بأمر من الخليفة الحاكم بأمر الله. يتميز هذا المسجد بمآذنه الشاهقة وبواباته الضخمة، وما زال محتفظًا برونقه الفاطمي الذي يجذب الزوار والمصلين على حد سواء. كذلك، نجد مسجد السلحدار، الذي بُني في القرن التاسع عشر بأمر الأمير سيف الدين السلحدار، ويُعد نموذجًا رائعًا للطراز العثماني بزخارفه الإسلامية الدقيقة، ومئذنته الرفيعة، وقبته المزينة بالفسيفساء، ليكون شاهدًا على روعة الفن الإسلامي.
ولأن العلم كان جزءًا أساسيًا من حضارة المماليك، نجد في شارع المعز مدرسة الناصر محمد بن قلاوون، التي تعود إلى القرن الرابع عشر. كانت هذه المدرسة مركزًا للتعليم الإسلامي، وتتميز ببوابتها الضخمة المزينة بالنقوش المملوكية، وفنائها الواسع الذي يتوسطه نافورة جميلة، مما يعكس الأهمية التي أولاها المماليك للعلم والتعليم.
ولعل أبرز ما يضفي سحرًا خاصًا على شارع المعز هي المشربيات التي تزين واجهات البيوت والمساجد، حيث لم تكن مجرد عنصر زخرفي، بل صُممت لتوفير الخصوصية والتهوية الجيدة. هذه المشربيات ذات الزخارف الهندسية المتقنة تعكس مهارة الحرفيين المصريين، وتظل رمزًا للجمال والفن الإسلامي.





في نهاية جولتنا، نجد أنفسنا وقد عبرنا بين العصور الإسلامية المختلفة، من الفاطمي إلى المملوكي والعثماني، لنكتشف أن شارع المعز ليس مجرد طريق، بل سجلٌ مفتوحٌ يحفظ تاريخ مصر العريق ويمنح زواره تجربة استثنائية تعيدهم إلى أزمنة مضت، لكنها ما زالت حية في تفاصيل هذا المكان الفريد.



