17 ألف مريض في عام واحد.. لماذا أصبح «العزيمة» علامة فارقة في علاج الإدمان؟
في محافظة البحر الأحمر حيث تلتقي صلابة الطبيعة بإرادة الإنسان، تشهد اليوم فصلًا جديدًا في معركة لا تُخاض بالآلات فقط، وإنما بالوعي والإرادة والإيمان بقدرة الإنسان على استعادة حياته.
فبينما كانت قضية الإدمان لسنوات طويلة جدارًا صامتًا خلفه الكثير من المعاناة الأسرية والاجتماعية، جاءت الرؤية الحديثة لتؤكد أن الإنسان لا يختزل في لحظة ضعف، وأن العلاج ليس مجرد دواء يُقدم، بل رحلة متكاملة لاسترداد الذات وبناء مستقبل أكثر إشراقًا.

مشروع وطني متكامل
فلم يعد علاج الإدمان في الدولة الحديثة مجرد استجابة لحالة مرضية، أو خدمة صحية تقدم داخل جدران المستشفيات، بل أصبح مشروعًا وطنيًا متكاملًا يستهدف حماية الإنسان، والحفاظ على تماسك الأسرة، وتعزيز أمن المجتمع. فالإدمان لا يهدد الفرد وحده، وإنما يمتد أثره إلى الأسرة وسوق العمل والاقتصاد والأمن المجتمعي، الأمر الذي جعل الدولة المصرية تنتهج رؤية شاملة تقوم على الوقاية والعلاج والتأهيل والدمج المجتمعي في آن واحد.
وفي هذا السياق، يمثل مركز العزيمة لعلاج وتأهيل مرضى الإدمان بمحافظة البحر الأحمر نموذجًا متطورًا لهذه الرؤية، باعتباره أول مركز متخصص يقدم خدمات علاج وتأهيل مرضى الإدمان بمحافظات البحر الأحمر وقنا والأقصر، وهي محافظات كانت في السابق تحتاج إلى انتقال المرضى لمسافات طويلة للحصول على العلاج، بما كان يمثل عبئًا نفسيًا وماديًا على الأسر.
ويعكس افتتاح قسم جديد للحجز الإلزامي داخل المركز خطوة نوعية في مسار تطوير خدمات علاج الإدمان، حيث يسهم في توفير تدخل علاجي للحالات التي تستدعي ذلك وفقًا للضوابط القانونية والطبية، مع استمرار تقديم خدمات العلاج الطوعي بصورة مجانية وسرية، بما يحقق التوازن بين حماية المريض وصون حقوقه.

صرح يخدم ثلاث محافظات
أُقيم مركز العزيمة على مساحة تبلغ نحو أربعة آلاف متر مربع، وصُمم وفق أحدث المعايير العلاجية والتأهيلية، بطاقة استيعابية تصل إلى 96 سريرًا، إلى جانب ثلاث عيادات خارجية تستقبل المرضى يوميًا.
ويستهدف المركز تقديم خدماته لما يقرب من 17 ألف مستفيد سنويًا من خلال خدمات العيادات الخارجية والإقامة الداخلية، بما يجعله أحد أكبر المراكز العلاجية المتخصصة في جنوب مصر، ويخفف الضغط عن المراكز الواقعة في المحافظات الأخرى.
ولا يقتصر دور المركز على تقديم العلاج الدوائي فحسب، بل يوفر منظومة متكاملة تبدأ بالتشخيص، مرورًا بسحب السموم والرعاية الطبية، ثم التأهيل النفسي والسلوكي، وصولًا إلى إعادة دمج المتعافي في المجتمع.

الحجز الإلزامي
شهد المركز مؤخرًا افتتاح قسم جديد للحجز الإلزامي، بحضور الدكتور عمرو عثمان، مدير صندوق مكافحة وعلاج الإدمان والتعاطي، والدكتور أيمن عباس، رئيس الإدارة المركزية للأمانة العامة للصحة النفسية وعلاج الإدمان بوزارة الصحة والسكان، وذلك ضمن فعاليات الاحتفال باليوم العالمي لمكافحة المخدرات والاتجار غير المشروع بها.
ويعد هذا القسم خطوة مهمة لتوفير آلية علاجية للحالات التي تشكل خطرًا على نفسها أو على الآخرين، حيث يتم تطبيق نظام الحجز الإلزامي وفق ضوابط دقيقة تراعي الجوانب الطبية والقانونية والإنسانية.
ويشترط لتفعيل هذا الإجراء أن يتقدم أحد أقارب المريض من الدرجة الأولى بطلب رسمي إلى المركز، بعد التواصل مسبقًا مع الخط الساخن لصندوق مكافحة وعلاج الإدمان «16023» أو الخط الساخن للأمانة العامة للصحة النفسية «16328»، للحصول على موعد واستيفاء الإجراءات المطلوبة.

كما يخضع المريض لفحص طبي ونفسي شامل، على أن يكون في حالة وعي كامل عند حضوره، ثم تُعرض حالته على الجهات المختصة لتقييم مدى استحقاقه للحجز الإلزامي، بما يضمن عدم تطبيق هذا الإجراء إلا في الحالات التي تستوفي الشروط القانونية والطبية.
رحلة لاستعادة الإنسان
تقوم فلسفة العلاج داخل مركز العزيمة على أن الإدمان مرض مزمن قابل للعلاج، وليس وصمة اجتماعية أو حكمًا نهائيًا على مستقبل الإنسان.
ولهذا يعتمد البرنامج العلاجي على منظومة متكاملة تشمل العلاج النفسي، والعلاج المعرفي السلوكي، وبرامج تعديل الأفكار والسلوكيات المرتبطة بالإدمان، إلى جانب تدريب المرضى على مهارات منع الانتكاسة، وتعليمهم كيفية مواجهة الضغوط الحياتية دون العودة إلى التعاطي.
كما يضم البرنامج التأهيلي برامج للعلاج بالعمل، بما يسمح للمتعافين باكتساب مهارات مهنية جديدة، إضافة إلى العلاج بالرياضة، والأنشطة الثقافية والفنية والترفيهية التي تسهم في إعادة بناء شخصية المريض واستعادة ثقته بنفسه.
ولا تتوقف الخدمات عند حدود انتهاء فترة العلاج، بل تمتد إلى برامج الرعاية اللاحقة، التي تهدف إلى متابعة المتعافين ومساندتهم خلال مرحلة العودة إلى المجتمع، وهي المرحلة التي تمثل أحد أهم عوامل النجاح في الحفاظ على التعافي.

الدمج المجتمعي
تؤكد التجارب الدولية أن نجاح علاج الإدمان لا يقاس فقط بخروج المريض من المستشفى، وإنما بقدرته على العودة إلى حياته الطبيعية كفرد منتج داخل المجتمع.
ومن هذا المنطلق، يحرص مركز العزيمة على تنفيذ برامج للتأهيل المهني، من خلال تدريب المتعافين على حرف ومهن يحتاج إليها سوق العمل، بما يساعدهم على بناء مستقبل جديد بعيدًا عن التعاطي، ويمنحهم فرصة حقيقية للاستقلال الاقتصادي.
ويمثل هذا التوجه ترجمة عملية لفلسفة ترى أن توفير فرصة عمل للمتعافي قد يكون أحد أهم وسائل الوقاية من الانتكاسة، لأنه يعيد إليه الإحساس بقيمته وقدرته على الإنتاج.
منظومة وطنية تتوسع
يعد مركز العزيمة أحد ثلاثة مراكز افتتحها رئيس الجمهورية في محافظات البحر الأحمر وبورسعيد ومطروح، ضمن خطة الدولة للتوسع في إنشاء مراكز علاج وتأهيل مرضى الإدمان في مختلف المحافظات.
وبافتتاح هذه المراكز ارتفع عدد المراكز العلاجية التابعة لصندوق مكافحة وعلاج الإدمان والجهات الشريكة مع الخط الساخن إلى 35 مركزًا موزعة على 20 محافظة، بما يعكس توجهًا واضحًا نحو تحقيق العدالة في توزيع الخدمات العلاجية على مختلف أنحاء الجمهورية.
كما سبقت هذه الخطوة افتتاح أقسام للحجز الإلزامي داخل مركز إمبابة لعلاج الإدمان ومستشفى المعمورة للصحة النفسية بالإسكندرية، بما يؤكد أن الدولة تمضي في بناء منظومة متكاملة تتيح مختلف مسارات العلاج وفقًا لاحتياجات المرضى.

نجاح يقاس بالمتعافين
ولعل المشهد الأكثر تعبيرًا عن نجاح هذه المنظومة كان الاحتفال بتخريج 100 متعافٍ من مركز العزيمة، بعد استكمال برامج العلاج والتأهيل المجانية، في رسالة تؤكد أن التعافي ليس حلمًا بعيد المنال، وإنما نتيجة لإرادة المريض، ودعم أسرته، وتوافر منظومة علاجية متكاملة.
فهؤلاء المتعافون لا يمثلون مجرد أرقام في سجلات المؤسسات العلاجية، بل قصص نجاح حقيقية تعكس قدرة الإنسان على تجاوز المحن عندما يجد الدعم العلمي والإنساني المناسب.
استثمار في الإنسان
وفي النهاية فإن ما تشهده منظومة علاج الإدمان في مصر يعكس تحولًا نوعيًا في فلسفة التعامل مع هذه القضية، حيث أصبح الإنسان محور الاهتمام، وأصبح الاستثمار في تعافيه جزءًا من الاستثمار في أمن المجتمع وتنميته.
فكل مريض يستعيد حياته هو أسرة تستعيد استقرارها، وسوق عمل يستعيد عنصرًا منتجًا، ومجتمع يكسب مواطنًا قادرًا على المشاركة في البناء. ومن هنا، فإن مركز العزيمة لا يمثل مجرد منشأة طبية، بل هو عنوان لرؤية وطنية تؤمن بأن بناء الإنسان يبدأ بمنحه فرصة جديدة للحياة، وأن التعافي ليس نهاية رحلة العلاج فحسب، بل بداية طريق جديد نحو الكرامة والإنتاج والأمل.



