21 ألف مشروع.. ما الذي يحضر للريف المصري بالمرحلة الثانية من "حياة كريمة"؟
في جوهرها، لا تُقاس التنمية الحقيقية بعدد المشروعات ولا بحجم الخرائط العمرانية فحسب، بل بقدرتها على إعادة تعريف العلاقة بين الإنسان ومكانه في الحياة.
فالقرية ليست مجرد مساحة جغرافية على الهامش، بل هي أصل الحكاية الاجتماعية والاقتصادية، ومنها تبدأ ملامح العدالة أو تتشكل الفجوة بين المركز والأطراف.

حياة كريمة
ومن هنا تصبح المبادرات التنموية الكبرى، مثل "حياة كريمة"، محاولة لإعادة الاعتبار لفكرة بسيطة وعميقة في آن واحد؛ فأن الإنسان حين يُمنح حقه في الخدمات والفرص، يتحول المكان من عبء إلى طاقة إنتاج، ومن انتظار إلى فعل.
وفي هذا السياق، تبدو مراحل التطوير المتتابعة ليست مجرد خطط حكومية، بل رحلة لإعادة صياغة معنى الحياة اليومية في الريف المصري، حيث يتقاطع الحلم الفردي مع مشروع وطني يسعى إلى إعادة التوازن بين ما كان وما يجب أن يكون.
مشروع وطني غير مسبوق
بدأت القصة بمتابعة الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، للاستعدادات الجارية لبدء المرحلة الثانية من المبادرة الرئاسية "حياة كريمة" التي تستهدف تطوير قرى الريف المصري وتحسين جودة الحياة لملايين المواطنين.

جاء ذلك خلال اجتماع موسع عقده بحضور عدد من مسؤولي مكتب "دار الهندسة" الاستشاري للمشروع، من بينهم المهندس أحمد عبد العظيم مدير المكتب، إلى جانب المهندس أحمد رمضان والمهندس علاء الزناتي، وذلك في سياق التنسيق المستمر بين الحكومة والجهات الاستشارية لضمان جاهزية الانتقال إلى مرحلة جديدة من التنفيذ. ويعكس هذا التحرك حرص الدولة على البناء على ما تحقق في المرحلة الأولى، وتوسيع نطاق الاستفادة ليشمل مزيدًا من القرى في مختلف المحافظات.
تنمية الريف المصري
فيما أكد رئيس الوزراء أن هذا الاجتماع يأتي تنفيذًا لتوجيهات الرئيس عبد الفتاح السيسي بأهمية الإعداد الدقيق والمدروس للمرحلة الثانية من مبادرة "حياة كريمة"، باعتبارها مشروعًا تنمويًا متكاملًا غير مسبوق في تاريخ التنمية الاقتصادية والعمرانية في مصر.
وأوضح أن المبادرة تمثل نقلة نوعية في فلسفة التعامل مع الريف المصري، حيث لم يعد التطوير يقتصر على تحسين البنية التحتية فقط، بل يمتد ليشمل تحسين الخدمات الأساسية من صحة وتعليم ومياه وصرف صحي وطرق، بما يضمن رفع مستوى معيشة المواطن المصري في القرى.
كما شدد على ضرورة الإسراع في استكمال ما تبقى من أعمال المرحلة الأولى، وتذليل أي معوقات قد تعرقل الانتهاء من المشروعات وتسليمها للتشغيل الفعلي، بما يحقق الأثر التنموي المستهدف على أرض الواقع.

إنجازات المرحلة الأولى
وأشار الدكتور مصطفى مدبولي إلى أن ما تحقق في المرحلة الأولى من مبادرة "حياة كريمة" يمثل قاعدة انطلاق قوية لتوسيع نطاق المشروع ليشمل مناطق أوسع من الجمهورية.
مؤكدًا أن النتائج الإيجابية التي ظهرت في القرى المستفيدة تعزز الثقة في جدوى المبادرة وقدرتها على إحداث تغيير حقيقي في حياة المواطنين.
وأوضح رئيس الوزراء، أن الدولة تتجه إلى تعميم هذه التجربة التنموية الفريدة تدريجيًا، بما يسهم في تقليص الفجوات التنموية بين الريف والحضر، وتحقيق العدالة في توزيع الخدمات، ودعم أهداف التنمية البشرية التي تتبناها الدولة المصرية ضمن رؤيتها الشاملة للتنمية المستدامة.
المرحلة الثانية والتحديات المتوقعة
وخلال الاجتماع، استعرض المهندس أحمد عبد العظيم، ممثل "دار الهندسة"، مجموعة من الآليات المقترحة لتنفيذ المرحلة الثانية وكذلك الثالثة من المبادرة، والتي تهدف إلى تفادي التحديات التي ظهرت خلال المرحلة الأولى، وضمان الالتزام بالجداول الزمنية المحددة.

وشملت هذه الآليات ضرورة التحديد الدقيق لنطاق وحجم الأعمال قبل بدء التنفيذ، وتوفير الأراضي اللازمة بشكل كامل قبل الانطلاق، بما يضمن عدم تعطيل المشروعات أثناء التنفيذ. كما تضمنت المقترحات التوسع في استخدام المنتجات المحلية الصنع دعمًا للصناعة الوطنية، وتعيين استشاريين متخصصين ذوي كفاءة عالية للإشراف على التنفيذ، مع تعزيز آليات المتابعة الدقيقة لمعدلات الإنفاق.
كما تم التأكيد على أهمية تطبيق منظومة الشراء الموحد عند شراء المهمات، وتشكيل لجنة متخصصة لإدارة عمليات الشراء لضمان الشفافية والكفاءة في إدارة الموارد.

أرقام تعكس حجم المشروع
أوضح استشاري المشروع أن المرحلة الثانية من مبادرة "حياة كريمة" من المقرر تنفيذها في 59 مركزًا موزعين على 20 محافظة في الوجهين القبلي والبحري، وتشمل 1667 قرية، وهو ما يعكس اتساع نطاق المشروع بشكل كبير مقارنة بالمرحلة الأولى.
وأشار إلى أن وزارة الإسكان تتولى تنفيذ الأعمال في 827 قرية، بينما تتولى الهيئة الهندسية للقوات المسلحة تنفيذ الأعمال في 840 قرية أخرى ضمن نطاق المرحلة الثانية.

كما أشار إلى أن عدد المشروعات المخطط تنفيذها يصل إلى نحو 18938 مشروعًا حتى الآن، مع توقعات بزيادة العدد إلى حوالي 21 ألف مشروع خلال مراحل التنفيذ المختلفة، وهو ما يعكس حجم الجهد التنموي الكبير المبذول على أرض الواقع.
نحو نموذج تنموي متكامل
وفي النهاية، شدد رئيس مجلس الوزراء على ضرورة الإعداد الجيد والدقيق للمرحلة المقبلة من المبادرة، بما يضمن تنفيذها وفق البرامج الزمنية المحددة وبالمعدلات المستهدفة، مع الاستفادة من الدروس المستخلصة خلال المرحلة الأولى.

كما أكد على أهمية التوسع في استخدام المكونات المحلية الصنع في تنفيذ المشروعات، دعمًا للصناعة الوطنية وتعزيزًا للاقتصاد المحلي، خاصة في ظل ما تمتلكه مصر من قاعدة صناعية قوية قادرة على تلبية احتياجات المشروعات التنموية بجودة عالية وكفاءة إنتاجية؛ مؤكدا أن مبادرة "حياة كريمة" تمثل مشروعًا وطنيًا شاملًا يستهدف إعادة صياغة واقع الريف المصري وتحويله إلى نموذج تنموي متكامل يحقق العدالة الاجتماعية ويرتقي بجودة حياة المواطنين في مختلف المحافظات.



