الكونغو الديمقراطية.. بؤرة الأوبئة الدائمة بين الغابات الاستوائية ودائرة الفقر والصراع
تُعَدّ القارة الأفريقية تاريخياً، وبحكم العوامل الجغرافية والمناخية، من أكثر مناطق العالم عرضة لتفشي الأوبئة والأمراض المعدية، وتبرز جمهورية الكونغو الديمقراطية بشكل خاص كبؤرة متكررة لعدد من هذه الأمراض، نتيجة طبيعة غاباتها الاستوائية المطيرة، إلى جانب التحديات الاقتصادية والسياسية التي تؤثر بشكل مباشر على كفاءة المنظومة الصحية.
فيروس إيبولا
تواجه القارة، والكونغو على وجه الخصوص، ثلاثة أنماط رئيسية من الأوبئة المتكررة. يأتي في مقدمتها فيروس إيبولا الذي تم اكتشافه لأول مرة عام 1976 قرب نهر إيبولا داخل أراضي الكونغو، وينتقل من الحيوانات البرية إلى الإنسان عبر الاحتكاك المباشر بسوائل الجسم، وقد تصل معدلات الوفيات في بعض سلالاته إلى نسب مرتفعة جداً. كما يظهر جدري القرود (Mpox) كأحد الأمراض المتوطنة، خصوصاً السلالة الأولى الأكثر شراسة وانتشاراً. وإلى جانب ذلك، تنتشر أمراض مثل الملاريا والكوليرا والحمى الصفراء نتيجة ضعف البنية الصحية وغياب شبكات المياه النظيفة والصرف الصحي في العديد من المناطق الريفية.
ولا يرتبط تفشي هذه الأمراض بالعوامل البيئية وحدها، بل يمتد ليشمل أسباباً هيكلية معقدة. إذ يساهم التداخل البشري مع الحياة البرية، من خلال صيد واستهلاك لحوم الأدغال، في زيادة احتمالات انتقال الفيروسات النادرة إلى الإنسان. كما تلعب النزاعات المسلحة المستمرة في شرق البلاد دوراً محورياً في تفاقم الأزمة، حيث يؤدي النزوح الجماعي إلى مخيمات غير مجهزة صحياً، ما يجعل احتواء العدوى أمراً بالغ الصعوبة. ويضاف إلى ذلك ضعف النظام الصحي ونقص الإمكانيات الطبية واللقاحات وأدوات العزل، مما يسرّع من تحول الحالات الفردية إلى موجات تفشٍ واسعة.
ويمتد تأثير هذا الواقع الصحي والأمني ليشمل المجال الرياضي، وتحديداً كرة القدم في الكونغو الديمقراطية. فرغم أن المنتخب الوطني، الذي لعب سابقاً تحت اسم زائير، قد شارك في كأس العالم مرة واحدة فقط عام 1974، فإن غيابه الطويل عن البطولة يعكس ارتباط الرياضة بالبنية العامة للدولة. فعدم الاستقرار الصحي والأمني أدى إلى تعطّل الدوري المحلي بشكل متكرر، وصعوبة إقامة معسكرات تدريب مستقرة، وهو ما انعكس على تطور كرة القدم محلياً.
الهجرة لأوروبا
كما ساهمت الظروف العامة في موجات هجرة واسعة للمواهب إلى أوروبا، خاصة إلى بلجيكا وفرنسا وبريطانيا، ما أدى إلى اعتماد المنتخب بشكل كبير على اللاعبين المحترفين في الخارج، بنسبة تتراوح بين 80% و90%. وبات اللاعب المحلي داخل الكونغو أقل حضوراً في التشكيلة الوطنية بسبب ضعف البيئة التدريبية وتدهور الظروف المعيشية والصحية.
وتواجه الفرق والمنتخبات الكونغولية كذلك تحديات إضافية خلال المشاركات الدولية، إذ تؤدي فترات تفشي الأوبئة مثل إيبولا أو جدري القرود إلى فرض قيود صحية صارمة، تشمل إجراءات فحص وحجر صحي، وقد تصل أحياناً إلى تعقيد إجراءات السفر والتأشيرات، مما يربك التحضيرات ويؤثر على الاستقرار الفني للمشاركات الخارجية.
في المحصلة، لا يمكن فصل الوضع الصحي في الكونغو الديمقراطية عن السياق الأوسع للفقر والنزاعات وضعف الدولة، حيث تتداخل هذه العوامل لتشكل دائرة معقدة تؤثر على حياة السكان، وتمتد آثارها لتطال مختلف القطاعات، بما فيها الرياضة، وتحرم البلاد من استثمار كامل إمكاناتها البشرية في المحافل الدولية.



