رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري
الجمهور الإخباري
رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري

مراد مهداوي يكتب.. كيف تحول الإنسان إلى آلة في زمن السوشيال ميديا

م.مراد مهداوي
م.مراد مهداوي

في زمن الـ "تمرير اللانهائي" (Infinite Scroll)، لم تعد التكنولوجيا مجرد أداة نستخدمها ونضعها جانباً، بل تحولت إلى بيئة متكاملة تُعيد هندسة السلوك البشري.

 

 إن السؤال اليوم لم يعد "كيف نتحكم في الآلات؟"، بل "كيف تحول الإنسان تدريجياً إلى آلة تعمل وفق خوارزميات السوشيال ميديا؟".
​هذا التحول ليس مجرد تشبيه بلاغي، بل هو واقع نفسي وسلوكي نعيشه يومياً، حيث جُرّد الإنسان من عفويته ليصبح كائناً "مُبرمجاً" يبحث عن التحديث المستمر.


​1. برمجة المشاعر: خوارزمية الدوبامين السريع


​في الماضي، كانت المشاعر الإنسانية تنبع من تفاعلات حقيقية، عميقة، وتأخذ وقتها لتنضج. اليوم، تم اختزال المشاعر في شكل "نقر" ورقميات.
​آلية الإعجاب (Like): تحولت مشاعر القبول والرفض إلى مؤشرات أداء (KPIs) تشبه تلك التي تقيس كفاءة المصانع. ينتظر الإنسان تفاعل الآخرين كمكافأة فورية، تماماً كما ينتظر السيرفر (Server) إشارة البدء.
​إدمان الترقب: نحن لا نفتح الهاتف لأننا نتوقع رسالة محددة، بل نفعله كاستجابة شرطية (Reflex) تشبه اهتزاز الآلة عند تفعيل مستشعراتها. الخوارزميات تدرس متى تمنحك "جرعة" الاهتمام لتبقيك متصلاً لأطول فترة ممكنة.


​2. تسليع الذات: الإنسان كـ "منتج" و"علامة تجارية"


​الآلة صُممت لتعمل بكفاءة، ولتسوق لنفسها بناءً على الأرقام. السوشيال ميديا أجبرت الإنسان على تبني نفس العقلية:
​الهوية الرقمية المستمرة: لم يعد مسموحاً للإنسان العادي أن يعيش عفوية اللحظة؛ كل تجربة (سفر، طعام، حزن، فرح) يجب أن تُصنع، تُعدل، وتُنشر لتبدو مثالية.
​فقدان العفوية: تحولنا إلى مديري تسويق لأنفسنا. صرنا نختار كلماتنا، وصورنا، وحتى آرائنا بناءً على "ما يطلبه الجمهور" أو ما يتماشى مع خوارزمية المنصة، مما يفقدنا أصالتنا البشرية ويحولنا إلى منتجات جامدة خلف الشاشات.


​3. العقل "المُقسّم": غياب العمق الفكري


​الآلات تعالج ملايين البيانات في ثوانٍ، لكنها لا تفهم معناها العميق. السوشيال ميديا تدفع العقل البشري نحو هذا النمط بالضبط من خلال "المحتوى السريع" (Shorts / Reels / TikTok):
​تشتت الانتباه: الانتقال من فيديو مدته 15 ثانية عن مأساة إنسانية، إلى فيديو كوميدي، ثم إلى إعلان تجاري، دمر قدرتنا على التركيز والتعاطف العميق.
​المعالجة السطحية: أصبحنا نستهلك المعلومات كـ "بيانات خام" دون تفكر أو تحليل. الإنسان الآلي لا يحلل الأبعاد الأخلاقية؛ هو فقط يمرر (Scroll) ويستهلك.


​4. العلاقات الافتراضية: استبدال الدفء بـ "الاتصال"


​الآلات تتصل ببعضها عبر شبكات (Networks)، لكنها لا تشعر ببعضها. السوشيال ميديا منحتنا "الاتصال الكثيف" وحرمتنا من "التواصل الحقيقي":
​وهم الأصدقاء: قد يملك الشخص آلاف "المتابعين" أو "الأصدقاء" افتراضياً، لكنه يعاني من وحدة قاتلة واقعياً.
​برود العلاقات: تحولت التبريكات والتعازي والمشاعر الإنسانية الصادقة إلى ضغطات زر أو رموز تعبيرية (Emojis) جاهزة ومكررة. لقد استبدلنا لغة الجسد ونبرة الصوت ببروتوكولات رقمية جافة.
​خلاصة فلسفية:
الخطورة في عصر السوشيال ميديا ليست في أن الآلات أصبحت ذكية بما يكفي لتشبه البشر، بل في أن البشر أصبحوا سطحيين ومبرمجين بما يكفي ليشبهوا الآلات.
​إن استعادة إنسانيتنا تتطلب منا اليوم شجاعة التخلي عن الاتصال الدائم، وممارسة "الوعي الذاتي"، وإدراك أن قيمتنا الحقيقية تكمن في المساحات العفوية وغير المثالية التي لا تستطيع أي خوارزمية أن تفهمها أو تقيسها.

تم نسخ الرابط