طارق سعيد... ضوء المسرح المستقل ورائد الدراما الصوتية
في الساعات الأولى من صباح الأحد، 29 مارس 2026، أسدل القدر الستار بشكل مفاجئ على مسيرة واحد من أهم صناع الفن الخالص في مصر؛ المخرج طارق سعيد.
لم يكن رحيله مجرد فقدان لمخرج تقليدي، بل هو غياب لفيلسوف فني أدرك مبكراً أن الفن لا تحده خشبة مسرح ولا تقيده صورة مرئية، فاستطاع عبر عقود أن ينسج خيوطاً خفية تربط بين المسرح المستقل، وفن الدوبلاج المعقد، وصولاً إلى الدراما الدينية الرصينة.
المسرح المستقل ؛ شرارة "الضوء" الأولى وتجريد المساحات
انطلق طارق سعيد في منتصف الثمانينيات (1986) حاملاً رؤية مغايرة للمألوف ، لم تستهوه الأطر الكلاسيكية للمؤسسات الرسمية، فأسس فرقة "الضوء" المسرحية، لتكون إحدى أهم دعائم حركة المسرح المستقل في مصر. كانت فلسفته الإخراجية تعتمد على "التقشف البصري" والاعتماد على بساطة الديكور والإضاءة، مقابل تفجير الطاقات الكامنة داخل الممثل في أعماله، وأبرزها مسرحيته الشهيرة "فتافيت الماس" (1999)، كسر سعيد الحواجز بين المؤدي والمتلقي، متمرداً على العلبة الإيطالية التقليدية، ليقدم عروضه في مساحات حرة ، هذا التجريب لم يكن عبثياً، بل كان يهدف إلى تجريد النص من المشتتات البصرية، جاعلاً من جسد الممثل وصوته الأداة الأولى والأخيرة لتوصيل الحقيقة الدرامية.

أثير الدوبلاج ؛ حينما يصبح الصوت مسرحاً كاملاً
من رحم هذا التجريد المسرحي وُلد شغف طارق سعيد بعالم "الدوبلاج" والأداء الصوتي، وهو المجال الذي اعتبره في رؤيته النقدية أصعب من التمثيل على خشبة المسرح أو أمام كاميرا السينما.
لقد أدرك سعيد أن ممثل الدوبلاج يُجرد من أدواته الجسدية ولغة عينيه، ولا يتبقى له سوى حباله الصوتية لنقل أدق الانفعالات ، وبصفته خبيراً في هندسة الروح البشرية مسرحياً، أشرف وأخرج العديد من الأعمال المدبلجة البارزة (مثل المسلسل الإسباني "قطة متوحشة"). كان منهجه في إدارة ممثلي الصوت يرتكز على التشريح النفسي للشخصية ، فلم يكن يسمح للممثل بتسجيل صوته إلا بعد فهم شبكة العلاقات الإنسانية داخل العمل، موازناً ببراعة فائقة بين ثلاثة أبعاد معقدة هى السيناريو المترجم، حركة شفاه الممثل الأصلي على الشاشة، والصدق العاطفي اللحظي داخل كابينة التسجيل.
"قصص القرآن" التتويج الأخير ومزج الفنون
لم تكن مصادفة أن تتقاطع كل هذه الخبرات المتراكمة من قيادة الممثل مسرحياً وإدارة صوته درامياً في إحدى أهم المحطات الفنية ، إخراج مسلسل الرسوم المتحركة "قصص القرآن" ،
في هذا العمل، الذي تصدر بطولته النجم القدير يحيى الفخراني، تجسدت الرؤية الشاملة لطارق سعيد ، الدراما الدينية الموجهة للأسرة تتطلب توازناً دقيقاً بين الجلال الذي يفرضه النص القرآني، وبين المرونة الدرامية التي تجذب المشاهد ، استخدم سعيد خبرته الطويلة في الدوبلاج لإدارة الأداء الصوتي لكبار النجوم، محولاً كبائن التسجيل إلى مسارح مصغرة تنبض بالحياة، وموظفاً طبقات الصوت البشري لرسم عوالم تاريخية وروحانية ملحمية دون الحاجة إلى ممثلين من لحم ودم على الشاشة.
إرث لا يغيب
رحل طارق سعيد بصمت يتناقض مع الصخب الفني الذي خلقه طوال مسيرته، تاركاً وراءه أجيالاً من الممثلين الذين تتلمذوا على يديه في ورش الجامعات وفرق الهواة.
لم يكن مجرد مخرج، بل كان معلماً يدرك أن الفن الحقيقي يبدأ من الداخل إلى الخارج.
ذهب "ضوء" طارق سعيد من عالمنا المادي، لكن صوته وتأثيره سيظلان يترددان في أروقة المسارح، وفي كل أداء درامي وصوتي يحمل قبساً من الصدق الذي أفنى عمره باحثاً عنه.