مصطفي بكري يكتب:شهادتي ومذكراتي الحلقة ٨٠.. مرسى و شفيق!
فى الرابع عشر من شهر يونية 2012 أصدرت المحكمة الدستورية حكمين على جاني كبير من الأهمية.
- الأول يقضى بعدم دستورية بعض مواد قانون انتخابات مجلس الشعب وبطلان عضوية ثلث أعضائه، مما ينصرف إلى بقية أعضاء» وذلك لتعارض القانون مع مبدأي المساواة وتكافؤ الفرص اللذين نص عليهما الإعلان الدستورية
- والثانى يقضي بعدم دستورية قانون العزل السياسى الذي يمنع رمود النظام السابق من خوض الانتخابات، بما يعني استمرار المرشح أحمد شفيق فى خوض الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية.
وفى هذا الوقت عقد المجلس العسكرى اجتماعاً مهما لمناقشة الحكمين الصادرين وقرر الالتزام بتنفيذ حكم ل مجلس الشعب.. أما الحكم الآخر فهو ملزم للجنة العليا للانتخابات، كما أصدر بياناً أكد فيه أن الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية المقرر إجراؤها يومى السبت والأحد 17،16 من يونية 2012 سوف تجرى فى موعدها المحدد.
فى هذا الوقت راحت جماعة الإخوان المسلمين تمارس إرهابا وتحريضا ضد المجلس العسكرى، إذ أصدرت بيانا بعد قرار المحكمة بحل مجلس الشعب بقليل أكدت فيه «أن قرار المجلس العسكرى بحل البرلمان هو انتزاع للسلطة التشريعية بغير حق، إضافة للسلطة التنفيذية التى من المفروض تسليمها للسلطة المدنية بعد أسبوعين».
وقال البيان «إن ما حدث يمثل انقلابا على المسيرة الديمقراطية برمتها ويعيدنا إلى نقطة الصفر من جديد».
وشددت الجماعة فى بيانها على أن كوادرها لن يقفوا متفرجين على محاولات القضاء على أهداف الثورة فى الحرية والديمقراطية والعدل والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية التى توحد الشعب بكل أطيافه، وكلنا ثقة أن هذه اللُحمة الوطنية ستعود فى مواجهة أعداء الثورة من جديد».
رفض المجلس العسكرى الانجرار إلى محاولات الصدام مع جماعة الإخوان، وراح يكمل استعداداته الأمنية لإجراء الانتخابات الرئاسية فى أجواء تتسم بالحيدة.
كانت السفيرة الأمريكية لا تكف عن اتصالاتها بجماعة الإخوان المسلمين والمرشح الرئاسي د. محمد مرسى فى الفترة التى فصلت بين الإعلان عن نتائج الجولة الأولى وإعلان نتائج الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية.
فى هذا الوقت كان د. سعد الدين إبراهيم، عالم الاجتماع المعروف قد كتب مقالا فى صحيفة المصرى اليوم، يطرح فيه عددا من المطالب على المرشح الرئاسى أحمد شفيق، وقد قام أحمد شفيق بالاتصال به فى هذا الوقت، والتقيا معًا فى منزل أحمد شفيق، ثم طلب أحمد شفيق من د.سعد الدين إبراهيم أن يتولى صياغة بيانه الانتخابى لإلقائه وإعلانه قبل بدء الجولة الثانية للانتخابات.
وفى أحد اللقاءات سأل الفريق أحمد شفيق الدكتور سعد الدين إبراهيم عن سر اللقاءات التى تجريها السفيرة الأمريكية بجماعة الإخوان، وكذلك سفر وفد من الجماعة إلى أمريكا فى هذا الوقت الحساس.
لم يجد سعد الدين إبراهيم من إجابة شافية على ما يجرى، غير أنه قال لأحمد شفيق: وهل أنت مستعد لمقابلة السفيرة الأمريكية؟ فقال شفيق: «نحن منفتحون على الجميع».
وقد نقل سعد الدين إبراهيم الرسالة إلى السفيرة الأمريكية فأجرت اتصالا بالفريق شفيق وأبدت رغبتها فى مقابلته، فرحب بها، فقامت على الفور بزيارته فى منزله.
وخلال اللقاء عاتب الفريق شفيق السفيرة الأمريكية على انحيازها وانحياز إدارتها لجماعة الإخوان ومرشحها الرئاسى وطالبها بالتزام سياسة الحيا.
نفت السفيرة ذلك، وقالت إن موقفنا واضح، نحن نتصل بالجميع، ولكن لا نتدخل فى العملية الانتخابية من قريب أو بعيد.
لاحظت السفيرة الأمريكية «آن باترسون» أن كلامها لم يقنع الفريق شفيق، إلا أنها راحت تردد ذات الموقف مرة أخرى.
فى هذا الوقت كانت الحملات الإعلامية المغرضة قد وصلت إلى مدى غير مسبوق من الادعاءات الكاذبة ضد الفريق أحمد شفيق، وإحراق مقراته والتهديد بقتله حال فوزه فى الانتخابات الرئاسية، وكان الإخوان يقفون وراء هذه الحملات، ويدفعون ببعض المتحالفين معهم إلى شن هذه الحملات وتحريض الجماهير وكتابة العبارات المسيئة على الحوائط والتى تتهم الفريق شفيق بأنه قاتل ومعاد للثورة وواحد من أبرز فلول النظام السابق.
وفى هذا الوقت أعلن د.عبد المنعم أبو الفتوح وقوفه مع د.محمد مرسى وراح يشن حملة عنيفة ويسدد اتهامات ظالمة ضد الفريق أحمد شفيق، متناسيا أنه كان قد أجرى اتصالا بقناة الجزيرة يوم 31يناير 2011، أثناء الثورة قال فيه: «الرئيس يجب أن يرحل واقترح ترشيح أى من العناصر الوطنية فى النظام سواء كان اللواء عمر سليمان أو الفريق أحمد شفيق».
أما حمدين صباحى المرشح الذى حصل على المركز الثالث فى الجولة الأولى للانتخابات، فقد التزم الصمت ورفض جميع النصائح التى طالبته بالوقوف مع الفريق أحمد شفيق، والذى أبدى استعداده باختيار حمدين صباحى فى منصب نائب الرئيس حال فوزه فى الانتخابات.
وكان هناك حزب «عصير الليمون» هؤلاء الذين طالبوا المعارضين للإخوان من النخبة والجماهير بأن يعصروا على أنفسهم ليمونة ويمنحوا أصواتهم للمرشح الإخوانى محمد مرسى خوفا من فوز مرشح «الفلول» أحمد شفيق.
وكان من الغريب أن يكون من بين هؤلاء عناصر عرفت بمواقفها الليبرالية والسياسية المعادية لجماعة الإخوان المسلمين وللتيارات الدينية.
• • •
مضي اليوم الأول من الانتخابات السبت السادس عشر من يونية، وفى اليوم التالي، انتهي إغلاق اللجان الانتخابية فى الحادية عشرة مساء وظل بعضها يفتح أبوابه حتي الواحدة صباحًا لتكدس الناخبين.
فى صباح هذا اليوم كانت هناك معلومات وصلت إلي اللجنة الانخابية الرئاسية تفيد بوجود تجاوزات صارخة فى بعض اللجان فى عدد من المحافظات.
وقد صرح المستشار حاتم بجاتو )الأمين العام للجنة الانتخابية الرئاسية( قائلاً: «إن اليوم الثاني للانتخابات شهد عدة مخالفات انتخابية، منها ضبط محاولات تسريب أوراق إلي خارج اللجان الانتخابية لبدء عملية التزوير بما يسمى «الورقة الدوارة»، إضافة إلى العثور علي عدد من الدفاتر التي تحمل أوراقًا مسودة لصالح مرشح بعينه وصل عددها إلى ألفى ورقة وأغلبها كان فى محافظة الشرقية.
وشدد المستشار بجاتو علي أنه تم ضبط البطاقات الانتخابية المسودة قبل استخدامها، وقال إن جميع أوراق الانتخابات المخالفة طُبعت فى المطابع الأميرية، وأن كل المخالفات التي وردت إلينا وتشكل جريمة أحلناها للنيابة العامة.
فى هذا الوقت كانت معلومات قد تسربت إلي المجلس العسكري تفيد بطباعة حوالي مليون و800 ألف بطاقة انتخابية جرى تزويرها فى المطابع الأميرية لصالح المرشح محمد مرسي، كما وصلت إلي المجلس معلومات تفيد بمنع بعض الناخبين الأقباط فى محافظتي المنيا وقنا من التصويت، بعد أن تلقوا تهديدات من عناصر تنتمي إلي جماعة الإخوان، إضافة إلى دخول شحنات حبر سري جري استخدامه فى اللجان التي تفوق فيها أحمد شفيق فى الجولة الأولي من الانتخابات، وهو حبر من شأنه أن يخفى الكلمات المكتوبة به بعد ثلث الساعة تقريبًا من استعماله.
وبعد التصريحات التي أدلي بها المستشار حاتم بجاتو معترفًا فيها بهذه التجاوزات، تدارس أعضاء المجلس العسكرى «المصغر» هذه التقارير، فطلب المشير طنطاوى من الفريق سامى عنان واللواء ممدوح شاهين الاتصال بالمستشارين فاروق سلطان وحاتم بجاتو لمعرفة حقيقة ما يشاع، وقام الفريق عنان بفتح «اسبيكر» التليفون الأرضي الموجود فى القاعة ليُسمع نص المكالمة للمشير وللمجتمعين، وأبلغ الفريق سامى المستشار فاروق سلطان بالمعلومات المتوافرة لدي المجلس العسكري، وقال له: هناك توافق بين المعلومات التي وصلت إلينا والمعلومات التي أدلي بها المستشار بجاتو، وإذا قررتم إلغاء جولة الانتخابات وإعادتها مرة أخري وفق شروط جديدة تضمن نزاهتها، فنحن ليس لدينا مانع.
هنا قال المستشار فاروق سلطان: إن كل ما لدينا من معلومات لا يتجاوز ما ذكره المستشار حاتم بجاتو، وإن البطاقات الانتخابية التي تم ضبطها لا تزيد علي ألفى بطاقة، وهو أمر لن يؤثر علي نتيجة الانتخابات، ونحن سنرصد بقية التجاوزات ونرسلها إلي الجهات الأمنية والرقابية للتحقيق، وسنلغي أي لجنة انتخابية تثبت فيها هذه التجاوزات.
كانت المعلومات التي وصلت إلي المجلس العسكري أكبر بكثير مما صرح به المستشار بجاتو، إلا أن المشير استمع إلى المكالمة فأشار بيده للفريق عنان معتبرًا أن الأمر انتهى عند هذا الحد، رفض ممارسة أي ضغوط علي رئيس اللجنة العليا لإلغاء الانتخابات وارتضى بتفسيره للأمور.
أنهي الفريق سامى عنان المكالمة ووضع سماعة الهاتف، حيث سادت حالة من القلق الشديد من جراء التقارير والمعلومات الواردة والتي تشير إلي حدوث تجاوزات كبيرة فى العملية الانتخابية.
حتي هذا الوقت كان المشير طنطاوي متمسكًا بعدم الانحياز لمرشح ضد آخر، لقد كان يعتقد أن فوز أي من المرشحين سيكون تعبيرًا عن اختيار الشعب، وأنه لن يتدخل من قريب أو بعيد، كان يقول دائمًا: «الشعب يتحمل مسئولية اختياره».
كانت معلومات عديدة تتردد فى هذا الوقت، تقول إن المشير طنطاوي وجد نفسه بين خيارين، أحلاهما مُرّْ بالنسبة له، غير أنه لم يحاول التدخل أو ممارسة أي ضغوط لصالح هذا الطرف أو ذاك لعدة أسباب:
- الأول: أن تدخل المجلس العسكري لصالح أي من الطرفين يمكن أن يثير أزمات ومشكلات عديدة داخل الأوساط المجتمعية، خاصة أن هناك حالة استنفار من قِبل قوي عديدة ضد المجلس العسكري، وتنتظر الفرصة المناسبة لإثارة الرأي العام ضده.
- الثاني: أن المجلس العسكري، إذا قرر التدخل، فمن المؤكد أنه لن يقف إلي جانب مرشح الإخوان، بل سيقف بالقطع ـ مهما كانت التحفظات ـ إلي جانب الفريق أحمد شفيق المرشح المنافس، وهذا يعني أن الإخوان المسلمين وحلفاءهم سيجدونها فرصة للتحريض ضد المجلس العسكري وتوجيه الاتهامات إليه وإثارة الفوضي فى البلاد والسعي إلي الاصطدام به.
- الثالث: أن المجلس العسكري ورئيسه المشير طنطاوي أخذوا علي أنفسهم عهدًا منذ البداية بالوقوف علي الحياد فى المعركة الانتخابية، وثبتت مصداقية ذلك من خلال انتخابات مجلسي الشعب والشوري، ومن ثم لن يكون من المقبول أو المعقول التدخل لصالح مرشح ضد آخر فى الانتخابات الرئاسية..
- الرابع: أن التدخل لدعم أحد المرشحين يعنى فتح الباب أمام تدخل الولايات المتحدة والمجتمع الدولى فى شئون مصر، وفرض عقوبات ضد البلاد، قد تؤدى إلى مخاطر شتى على تسليح الجيش وحاجته إلى قطع الغيار، وكذلك قطع المعونة الاقتصادية والعسكرية المقدمة من الولايات المتحدة إلى مصر، وهو أمر يمكن أن يدفع البلاد إلى مرحلة خطيرة، لن تقف عند حدود قطع المعونات.
الخامس: أن اللجنة العليا للانتخابات الرئاسية لا يمكن أن تقبل تدخلاً مباشرًا أو غير مباشر من المجلس العسكرى لصالح أحد المرشحين؛ لأن ذلك يضع اللجنة هدفًا للمتربصين والمضارين من جراء ذلك.
- السادس: أن المشير طنطاوى وغالبية أعضاء المجلس العسكرى كانوا قد عقدوا العزم على تسليم السلطة فى 30 يونية 2012 إلى الرئيس المنتخب دون أن يكون لديهم طموح نحو السلطة، وهو أمر دفعهم إلى التعامل مع مجريات الأحداث وكأنها تحصيل حاصل، يلعبون فيها فقط دور المحايد بين الشعب والمرشحين، خاصة بعد أن تعرض المجلس العسكرى فى أوقات سابقة لإهانات غير مبرَّرة، وشتائم تعدت كل الحدود، ولم يكن أمام أحد منهم سوي الانتظار بفارغ الصبر، لتسليم السلطة والانصراف بعيدًا عن شئون الحكم، ولذلك تركوا الأمر للخيار الشعبي الذي سيكون عليه تحمل مسئولية الاختيار..
لقد كان لدى البعض قناعة بأن فوز الدكتور محمد مرسى سيضع جماعة الإخوان المسلمين أمام اختبار حاسم فى مواجهة الشعب: فإذا استطاعت الجماعة حكم البلاد وترسيخ مبادئ العدل والديمقراطية وتحقيق الأمن والاستقرار، فهذا سيدفع إلى المزيد من الالتفاف الشعبى حولها.. أما إذا فشلت الجماعة فى حكم البلاد واستخدمت أساليب الإقصاء وتصفية الحسابات وعجزت عن تحقيق الاستقرار والنهوض الاقتصادي، فهى بذلك تكون قد كشفت عن عجزها وعدم قدرتها على الحكم وإنقاذ البلاد، وساعتها سيواجهها الشعب وتخسر شعبيتها إلى الأبد.
لقد كان هناك من يرى أنه فى حال نجاح مرشح الإخوان المسلمين فى انتخابات الرئاسة، سوف تتكشف الحقائق سلبًا أو إيجابًا، وأنه مهما كانت الخسائر، فالإيجابيات ستكون أكبر، وسينعكس النموذج المصرى فى كل الأحوال على مستقبل شتى التيارات الإسلامية فى العالم العربى بأسره وليس فى مصر وحدها.
كان السؤال المطروح فى هذا الوقت، من بعض أعضاء المجلس العسكري: ولكن ماذا إذا اتُّهم المشير والمجلس الأعلى بتسليم السلطة إلى الإخوان حال نجاح د.محمد مرسي؟ وكانت الإجابة من المشير: دعوا التاريخ يحكم، لقد تحملنا الكثير ومستعدون أن نتحمل ما هو أكثر، وقال: دعونا ننتظر، إذا نجح الرئيس أيًا كانت هويته وفشل فى إدارة شئون البلاد، هنا، سيخرج الشعب عن بكرة أبيه ليطالب الجيش بالتدخل من جديد خاصة عندما يتعرض أمن البلاد للخطر، ويحدث التخبط والعشوائية فى القرارات.
•••
بعد إغلاق جميع اللجان أبوابها، اتصل المستشار حاتم بجاتو فى الواحدة صباحًا ليبلغ المستشار فاروق سلطان بآخر التفاصيل، فى حين بدأت النتائج تصل تباعًا إلى اللجنة العليا وإلى وسائل الإعلام.
فى هذا الوقت غادر المستشار بجاتو مقر اللجنة العليا حيث كان يقيم فى فندق دار الدفاع الجوى القريب من مقر اللجنة العليا، طلب من أعضاء الأمانة الرد على استفسارات الصحفيين، وظل هو يتابع التطورات بنفسه حتى الثالثة والنصف صباحًا.
وفى اليوم التالى الإثنين 18 يونية وصل المستشار بجاتو والمستشار فاروق سلطان إلى مقر اللجنة العليا فى الحادية عشرة صباحًا.
كان الاتفاق المعلن هو أن يتم الانتهاء من فرز اللجان فى انتخابات الإعادة يوم 18 يونية، على أن يُفتح الباب لتلقى الطعون ابتداء من يوم الثلاثاء 19 يونية، كانت اللجنة العليا للانتخابات قد طلبت من جهاز الأمن العام بوزارة الداخلية والمخابرات العامة والرقابة الإدارية إجراء تحرياتها حول ما تردد عن تزوير بطاقات انتخابية صادرة عن المطابع الأميرية، ومنع المسيحيين من التصويت فى بعض اللجان، وغيرها من التجاوزات.
فى هذا الوقت، اجتمعت اللجنة الانتخابية فى صباح 18 يونيةلمتابعة آخر النتائج، وقد وصلت جميع نتائج الفرز فى هذا الوقت، عدا نتيجة محافظة القاهرة.
وفى هذا الوقت أخطرت الأمانة العامة للانتخابات المستشار حاتم بجاتو والمستشار فاروق سلطان بأن الدكتور محمد مرسى متقدم فى الانتخابات بأكثر من مليون صوت.
وفى فجر هذا اليوم، كان د.محمد مرسى قد أعلن عن فوزه فى الانتخابات حتى قبيل إعلان النتيجة، ثم مضى إلى ميدان التحرير للاحتفال مع أنصاره بهذا الفوز الذى لم يُعلَن رسميًا حتى هذا الوقت.
كان الاتفاق قد جرى على إعلان نتيجة الانتخابات الرئاسية صباح الخميس 21 يونية، إلا أن اللجنة العليا للانتخابات أصدرت بيانًا أكدت فيه أنها قررت الاستمرار فى نظر الطعون المقدمة من المرشحين واستكمال فحصها، وهو ما يتطلب مزيدًا من الوقت قبل إعلان النتيجة النهائية للانتخابات.
وأوضـحت اللجنة أن الطعـون المقدمـة تزيد على446 طعنًا أبرزهــا ـ من وجهة نظر المحامين الموكلين عن المرشحين ـ تتعلق بوجود عدد غير قليل من بطاقات الاقتراع فى الصناديق تزيد على عدد الناخبين الحاضرين باللجان أو تقل، وما تردد عن تصويت بعض المتوفين وتكرار التصويت من بعض الناخبين وتوجيه الناخبين والعبث بالعديد من بطاقات الاقتراع عقب طباعتها وقبل وصولها للقضاة المشرفين على الانتخابات.
لقد أعلنت جماعة الإخوان المسلمين على موقعها الإلكترونى الإثنين 18 يونية أن محمد مرسى حاز على 000٫732٫31 ألف صوت بنسبة 25٪ مقابل 379٫833٫21 صوتًا للمرشح أحمد شفيق بنسبة تصل إلى حوالى 84٪ ، قالت الجماعة إن إجمالى الأصوات الصحيحة بلغ 379٫575٫52 صوتًا.
فى هذا الوقت راح ياسر علي )المتحدث باسم حملة د.محمد مرسي( يستبق الجميع قبيل إعلان النتيجة النهائية، بالإدلاء بتصريحات للـ«بي. بي. سي» قال فيها إن مشاورات لتشكيل الحكومة الجديدة ستجرى بعد أسبوع من إعلان فوز د.محمد مرسى رسميًا.
وقال إن مرسى سيختار خمسة نواب له فى الرئاسة، يكون من بينهم نائب قبطى وامرأة، ونائب من الشخصيات ذات الكفاءة من بينهم سلفى من خارج حزب الحرية والعدالة ونائب من شباب الثورة.
وكان د.محمد مرسى بدوره قد تعامل مع النتيجة التى أعلنها الموقع الرسمى لجماعة الإخوان على أنها النتيجة النهائية ولم ينتظر إعلان النتيجة الرسمية، حيث وجّه الشكر للشعب المصرى ولمن قالوا «نعم» ومن قالوا «لا» ، وقال إنه سيعمل على تحقيق التوافق الوطنى مع كل أطياف الشعب المصري، وتعهد بأن يقف على مسافة واحدة من الجميع ويكون خادمًا للشعب بكل فئاته.
بعد إبلاغ المستشار حاتم بجاتو بأن د.محمد مرسى متقدم فى عدد الأصوات على الدكتور أحمد شفيق بما يزيد على المليون صوت بدون نتيجة القاهرة، أيقن المستشار بجاتو أن الانتخابات قد حُسمت لصالح د.مرسى.
فى هذا الوقت من ظهر 18 يونيو اصطحب المستشار بجاتو اثنين من القضاة الذين كانوا يعملون معه فى الأمانة العامة للجنة الانتخابات الرئاسية، وذهب ثلاثتهم إلى مبنى وزارة الخارجية الكائن على كورنيش النيل، وذلك لإعادة جمع أصوات المصريين بالخارج، حيث كانت هناك شكوى مقدمة تقول إن عمليات تصويت جماعى تمت لصالح المرشح الرئاسى محمد مرسى فى السعودية وجنوب أفريقيا.
وبالفعل بدأت عملية إعادة الفرز فى مبنى وزارة الخارجية من 12 ظهرًا إلى 11 مساءً، وفى هذا الوقت أصيب المستشار بجاتو بأزمة قلبية، وتم نقله إلى المستشفي، وبعد أن تحسنت حالته الصحية سأل عن آخر نتائج الفرز، فعرف أن الفارق حتى هذا الوقت كان يصل إلى ما يقارب الـ900 ألف صوت لصالح محمد مرسى. اتفق المستشار بجاتو مع أعضاء اللجنة ومساعديهم على إعادة رصد الأصوات مرة أخري، لمعرفة الأصوات الباطلة وإبعادها.
فى هذا الوقت كانت الطعون تصل تباعًا من د.أحمد شفيق ود.محمد مرسي، وكانت اللجنة تبحث ما تضمنته هذه الطعون المقدمة أولاً بأول، كانت أبرز شكاوى د.أحمد شفيق متعلقة بتزوير نحو مليون 1٫800 بطاقة انتخابية صادرة عن المطابع الأميرية، وكذلك الحال منع المسيحيين من التصويت فى بعض اللجان، كان التزوير الحاصل فى الأوراق الصادرة عن المطابع الأميرية قد جاء لصالح محمد مرسي، وكان الذى أبلغ اللجنة العليا عن هذه البطاقات هو أحد القضاة المشرفين على اللجنة الرئاسية بمحافظة الشرقية فى اليوم الأول للانتخاب، وكان عدد البطاقات التى جرى ضبطها هى فقط2500 بطاقة صادرة عن المطابع الأميرية وجمعيها مزورة لصالح المرشح د.محمد مرسى. فى هذا الوقت أجرى المستشار فاروق سلطان اتصالًا بوزير الداخلية السابق اللواء محمد إبراهيم، كما أجرى المستشار حاتم بجاتو اتصالًا باللواء أحمد جمال الدين مدير الأمن العام فى هذا الوقت، كما أجرى اتصالاً بوكيل إدارة الرقابة الإدارية والمخابرات العامة.
بدأت عملية الفحص، كانت هناك شكوى مقدمة عن منع الأقباط فى إحدى قرى محافظة المنيا «قرية دير أبو حنس» وأربع قرى فى محافظة قنا.
ولكن قيل أن هذه المعلومات غير صحيح فى حين أن مناطق عديدة فى محافظات بحرى والصعيد ، مارس فيه الاخوان ارهابا شديدا لمنع الناخبين وتهديدهم واستخدام أساليب الترغيب لحضهم على اختيار المرشح الرئاسى محمد مرسى ورصد فى هذا الوقت توزيع أموال ضخمة على مئات الألاف من الناخبين فى القرى والأرياف ، مما يمثل رشوة انتخاباتة توجب الفاء الانتخابات فى العديد من هذه اللجان.
فى يوم الجمعة 22 يونية احتشدت فى ميدان التحرير حشود غفيرة من الإسلاميين وبعض الفصائل الثورية تحت عنوان «مليونية الشرعية»، وكان الهدف من ورائها الضغط على اللجنة العليا للانتخابات، حيث رفعت الشعارات التى توجه الاتهامات إلى اللجنة وتحذرها من إعلان فوز أحمد شفيق، وتطالب المجلس العسكرى بإلغاء الإعلان الدستورى المكمل وتسليم السلطة إلى الرئيس المقرر الإعلان عن انتخابه فى وقت لاحق.
وفى اليوم ذاته عقد المرشح الرئاسى د.أحمد شفيق مؤتمرًا صحفيًا أعلن فيه فوزه فى الانتخابات، وكان أحمد سرحان المتحدث الرسمى باسم حملته قد أعلن فى وقت سابق أن تقديرات الحملة تشير إلى تقدم شفيق بنسبة من٪ 51.5 إلى52 ٪ على المرشح المنافس محمد مرسى.
ظل المستشار حاتم بجاتو يلح على الجهات المعنية لإرسال تقاريرها الخاصة بالاتهامات المتعلقة بالانتخابات ولكن حتى الثالثة من صباح السبت23 يونية لم تكن اللجنة قد تلقت أية ردود.
وفى فجر هذا اليوم صعد أحد الحراس للدور العلوى بمقر اللجنة الانتخابية إلى المستشار حاتم بجاتو والذى كان قد بدأ فى النوم بعد طول عناء، أيقظه الحارس وقال له إن هناك مندوبًا من النيابة العامة يريد تسليم مظروف من النيابة، صعد المندوب وسلم المظروف شخصيًا إلى المستشار بجاتو.
وعندما قام بفتحه وُجد أنه تقرير مقدم من وكيل الإدارة العامة للمباحث الجنائية بوزارة الداخلية مكون من 18 صفحة يثبت وجود تلاعب فى طبع البطاقات الانتخابية بالمطابع الأميرية، ووجود تزوير أرقام فى بطاقات الرقم القومى المقيدة فى كشف الحضور الانتخابي، وتسويد لبطاقات الانتخاب، ومنع للناخبين الأقباط من التصويت فى بعض اللجان، سعى المستشار حاتم بجاتو إلى استيفاء بقية المعلومات فقام بالاتصال مجددًا بالمخابرات العامة والرقابة الإدارية، فأكدا له أنه لا توجد وقائع محددة.
فى هذا الوقت اجتمعت اللجنة العليا للانتخابات الرئاسية والمكونة من أربعة أعضاء ورئيس بالاضافة إلى أمين عام اللجنة وانقسمت فى الرأى فيما بينها.
كان السؤال المطروح على أعضاء اللجنة: هل يتم استبعاد الصناديق التى عُثر فيها على البطاقات المزورة وينتهى الأمر؟، أم تعاد فيها الانتخابات من جديد؟!
كان هناك ثلاثة من أعضاء اللجنة مع إعادة الانتخابات مجددًا وهم:
1ـ المستشار عبدالمعز أحمد إبراهيم رئيس محكمة استئناف القاهرة.
2ـ المستشار ماهر البحيرى نائب رئيس المحكمة الدستورية العليا.
3ـ المستشار أحمد شمس الدين خفاجى النائب الأول لرئيس مجلس الدولة.
بينما رفض كل من:
1ـ المستشار فاروق سلطان رئيس المحكمة الدستورية العليا ورئيس اللجنة
2- المستشار محمد ممتاز متولى عضو اللجنة والنائب الأول لرئيس محكمة النقض إعادة الانتخابات واكتفيا باستبعاد الأصوات المزورة.
كانت هذه اللجان فى محافظات الشرقية والغربية ومطروح والفيوم والقليوبية وعدد من محافظات الصعيد بلغ مجموعها جميعا 16 محافظة ، وكان عدد الأصوات التي تم رصدها فى هذه اللجان يبلغ 120 ألف صوت، تم استدعاء المشرف على الكمبيوتر باللجنة العليا لمعرفة ما إذا كانت هذه الأصوات ستؤثر على النتيجة العامة أم لا فنفى ذلك، فقيل إنه حتى بافتراض صحة هذه الأرقام فالفارق بين مرسى وشفيق فى حدود الـ« 800 ألف صوت» ولذلك تم استبعاد أصوات هذه اللجان، وتم اعتماد نتيجة باقى اللجان مع أن الصحيح فى هذا الوقت كان يوجب على اللجان إلغاء الانتخابات فى هذه المحافظات التى تسربت إليها هذه البطاقات التى تم تزويرها داخل المطابع الأميرية ذاتها.
وفى الثالثة والنصف من فجر يوم الأحد 23 يونية، كان قد اتفق جميع أعضاء اللجنة قد اتفقوا على أن د.محمد مرسى هو الفائز فى الانتخابات بعد إعادة جمع الأصوات فى اللجان الانتخابية، سأل المستشار فاروق سلطان المستشار حاتم بجاتو: متى ستكونون جاهزين تمامًا فرد المستشار بجاتو، فى الحادية عشرة والنصف من صباح الأحد 24 يونيو.
فى مساء السبت 23 يونية، وقبله كان المستشار حاتم بجاتو قد سمع عبر التلفاز مطالب من الإعلامى عماد الدين أديب والكاتب الصحفى إبراهيم عيسى ود.عمرو حمزاوى ود.معتز عبدالفتاح بضرورة أن يتضمن تقرير لجنة الانتخابات الأسباب والطعون التى دفعتها إلى تأخير إعلان النتيجة من الخميس 21 يونية إلى الأحد 24 يونية.
تم الاتفاق بين المستشار حاتم بجاتو والمستشار فاروق سلطان على أن يتولى المستشار بجاتو كتابة تقرير مطول يلقيه المستشار فاروق سلطان خلال إعلانه نتيجة الانتخابات الرئاسية يتضمن جميع هذه الملاحظات.
وفى الصباح الباكر، دخل المستشار حاتم بجاتو إلى إحدى الغرف الجانبية فى الدور الثاني، وجاء بأحد موظفى الكمبيوتر الذى كان يعمل معه منذ فترة طويلة، وهو مصدر ثقة بالنسبة له، وبدأ يملى عليه التقرير الذى سيتلوه المستشار فاروق سلطان ورقة بورقة، ثم يأخذها ويراجعها بنفسه، وعندما حان موعد كتابة النتيجة النهائية واسم الفائز فى الانتخابات الرئاسية، عاد المستشار بجاتو إلى غرفته فى الدور الأول، وقام بكتابة النتيجة بنفسه على الكمبيوتر ودون الاستعانة بأحد.
كان يوم الأحد 24 يونية يومًا حاسمًا فى تاريخ مصر، منذ الصباح أعلن الجيش والشرطة حالة الاستنفار ورفع درجة الاستعداد فى البلاد، انتشرت القوات على الطرق الرئيسة، وفرضت إجراءات أمنية مشددة على المنشآت الحيوية، وتم نقل كميات هائلة من أموال البنوك إلى البنك المركزي، وصدرت التعليمات إلى موظفى الدولة بالانصراف سريعًا والعودة إلى منازلهم مبكرًا، وأعلن المستشار فاروق سلطان أن إعلان النتيجة النهائية سيجرى فى الثالثة من عصر ذلك اليوم الأحد.
فى صباح هذا اليوم وصل إلى منزل الفريق أحمد شفيق وفد من الحرس الجمهورى مكون من أربعة ضباط يرتدون الملابس المدنية، التقوا الفريق شفيق، وعاينوا الفيلا التى يقطن بها بأرض الجولف بالتجمع الخامس، وقاموا برسم خريطة لها، كما عاينوا الفيلات والشوارع القريبة والمحيطة بها.
طلب ضباط الحرس الجمهورى من الفريق شفيق أن يحدد لهم شخصًا يتعاملون معه، ساعة وصولهم إلى منزله بعد ظهر اليوم، فاستدعى أحد كبار مساعديه، والتقى الضباط، واتفقوا معه على انتظارهم أمام بوابة الجولف فى الواحدة والنصف ظهرًا، وأبلغوه أن حرس الرئاسة سوف يتسلم الأمن فى المنطقة بدلاً من الشركة التى تتولى ذلك.
وفى الواحدة والنصف انتظر مساعد شفيق حضور الحرس الجمهوري، إلا أنه لم يحضر، فاتصل بقائد مجموعة الحرس التى حضرت إلى منزل شفيق فى الصباح فأخطره أن تعليمات صدرت بوقوف قافلة الحرس بالقرب من الجولف، انتظارًا لتعليمات أخرى. مضى الوقت، دون حضور، ظل مساعد شفيق منتظرًا هاتف قائد مجموعة الحرس، إلا أنه حتى الثانية لم يتصل به أحد.
كان الفريق أحمد شفيق قد طلب من جميع مساعديه فى هذا اليوم الانتقال من غرفة العمليات التى كان قد أقامها فى منزله إلى قاعة تم استئجارها بفندق «جى دبليو ماريوت» القريب من منزله بالتجمع الخامس، وقال لهم إنه سيحضر إلى هناك عقب إعلان نتيجة الانتخابات الرئاسية لعقد مؤتمر صحفى عالمى يشرح فيه سياساته وبرنامجه والخطوات التى سيُلزم نفسه بها أمام الشعب بعد فوزه بمنصب رئيس الجمهورية.
وبعد صلاة الظهر مباشرة كان أحمد شفيق قد اصطحب كريماته الثلاث لزيارة قبر زوجته التى رحلت خلال فترة ترشحه للرئاسة، وهناك بكى أحمد شفيق كثيرًا، وكأنه يقول لها «كنت أتمنى أن تشاركينى هذه اللحظة».
كان أحمد شفيق على قناعة بأن الأمر قد حُسم لصالحه، لقد أكد فى تصريحات إعلامية لاحقة، أنه تلقى اتصالًا من مسئول كبير أبلغه فيه بفوزه فى الانتخابات الرئاسية بنسبة 7٫05٪ كما أن قناة «سى.إن.إن» الإخبارية نقلت عن الموقع الإلكترونى لصحيفة الأهرام باللغة الإنجليزية فى وقت سابق من هذا اليوم خبرَ فوز أحمد شفيق بالنسبة ذاتها.
قبلها بيوم واحد، كنت قد تلقيت اتصالًا من شخص مقرب من اللجنة الانتخابية، أكد لى خلاله أن أحمد شفيق فاز بنفس النسبة، وعندما اتصلت بالفريق شفيق لأبلغه ما سمعت قال لي: إن أحد الأشخاص الموثوق بهم جدًا يجلس إلى جواره الآن وأن له أحد الأقارب فى اللجنة العليا للانتخابات وأنه أبلغه النتيجة ذاتها بالضبط.
قبيل إعلان النتيجة بقليل تردد أن أحمد شفيق، تلقى اتصالاً تليفونيًا من شخصية مهمة، تطلب منه عدم الذهاب إلى فندق «جي.دبليو.ماريوت» وإلغاء المؤتمر الصحفي، انتظارًا لما سوف تسفر عنه نتيجة الانتخابات.
بدأ القلق يتسرب إلى أحمد شفيق، لكنه لا يريد أن يصدق شيئًا غير ما يعتقد، ظل منتظرًا فى منزله، حوله بناته الثلاث وأزواجهن.
كان أربعة من أعضاء اللجنة العليا للانتخابات الرئاسية الخمسة )وفقًا لما سمعته من أحدهم( قد أعطوا أصواتهم للفريق أحمد شفيق، بينما عضو واحد فقط من الخمسة هو الذى أعطى صوته للدكتور محمد مرسى فى الانتخابات.
كانت المعلومات قد أشارت قبل ذلك إلى أن بطاقات الاقتراع البالغ عددها أكثر من مليون و800 ألف بطاقة التى قيل إنه جرى تزويرها فى المطابع الأميرية لصالح د.محمد مرسى قد تسللت إلى اللجان الانتخابية فى نحو 16محافظة، وأن مرسى حصل فى هذه اللجان على نحو 1.5مليون صوت باطل، وإنه إذا ما جرى إلغاء هذه اللجان فسيكون أحمد شفيق هو الفائز بنسبة تقارب النسبة التى جرى تسريبها قبل ذلك.
ورغم أن اللجنة العليا للانتخابات كانت علي يقين من أن هذه البطاقات بالفعل جرى تسويدها وتوزيعها على المحافظات إلا أنها اكتفت فقط بشطب 120ألف صوت مزورة لصالح د. محمد مرسى وتجاهلت هذه الأرقام الكبيرة التي تردد أنها تسربت لصالحه أيضا وقد تغاضت اللجنة أيضا عن بقية الملاحظات الجوهرية التى تضمنها تقرير الأمن العام والموقعة باسم وكيل المباحث الجنائية.
وفى الوقت الذى كان يحتشد فيه الإعلاميون والصحفيون فى مقر الهيئة العامة للاستعلامات التى ستعلن اللجنة منها نتيجة الانتخابات، كان المستشار حاتم بجاتو قد اعتمد محضر النتيجة النهائية للانتخابات من أعضاء اللجنة جميعًا فى الثالثة إلا الثلث، وكان لتوه قد انتهى من كتابة التقرير الذى سيلقيه المستشار فاروق سلطان بعد قليل..
كان المستشار فاروق سلطان قد طلب من جميع أعضاء اللجنة العليا للانتخابات إغلاق هواتفهم نهائيًا منذ الصباح المبكر، خاصة بعد أن قيل إن أحد أعضاء اللجنة الخمسة قد رجح فى حديث له مع مسئو كبير بأن د.أحمد شفيق ربما يكون هو الفائز، وكان ذلك صباح السبت 23 يونية، وربما كان ذلك هو سبب الارتباك وحالة الاستنفار التى شهدتها البلاد فى هذا الوقت.
بعد الثالثة وبدقائق قليلة كان أعضاء اللجنة جميعًا ورئيسها قد وصلوا إلى مبنى الهيئة العامة للاستعلامات وسط حراسة أمنية مشددة، بينما كان المستشار حاتم بجاتو لا يزال موجودًا فى مكتبه بمقر اللجنة العليا للانتخابات الرئاسية حيث كان يقوم بتصوير عدة نسخ من التقرير والنتيجة المعتمدة.
ترقب الصحفيون والإعلاميون عقد المؤتمر الصحفى للجنة فى الموعد المحدد، إلا أن الموعد قد تأخر، مما دفع الكثيرين منهم إلى التساؤل عن الأسباب.
بعد وصول المستشار بجاتو إلى مقر المؤتمر الصحفى بمبنى الهيئة العامة للاستعلامات، قام بتسليم نسخة من التقرير متضمنًا النتيجة النهائية إلى المستشار فاروق سلطان، وطلب الدكتور إسماعيل خيرت رئيس الهيئة العامة للاستعلامات نسخة من التقرير لترجمتها وتسليمها للصحفيين والإعلاميين الأجانب بعد إعلانه فى نهاية المؤتمر الصحفى.كنت اتابع النتيجة من التلفاز، اتصلت بى قناة المحور، ثم الحياة، قبيل إعلان النتيجة بنحو أربعين دقيقة، وقلت إن الحرس الجمهورى اتجه إلى منزل الفريق أحمد شفيق وتوقعت فوزه.
كانت لديَّ معلومات من مصادر لا يرقى إليها الشك ومن بينهم ضابط بالحرس الجمهوري، علاوة على معرفتى بالاتصال الذى جرى بالفريق أحمد شفيق صباح اليوم ذاته، قبلها حاولت الاتصال بأى من أعضاء المجلس العسكرى لمعرفة أى معلومات عن النتائج، إلا أن كل من اتصلت بهم أقسموا إنهم لا يعرفون شيئًا، وإنه لا أحد منهم ـ بمن فيهم المشير ـ حاول الاتصال باللجنة لمعرفة أى نتائج.
كنت موجودًا بمنزلى فى هذا الوقت، وكان الدكتور السيد البدوي )رئيس حزب الوفد( قد أجرى اتصالاً معى قبيل إعلان النتيجة ليسألني: هل أنت متأكد مما قلته منذ قليل من أن الحرس الجمهورى اتجه إلى منزل أحمد شفيق؟، فقلت له: نعم، قال: أنا معلوماتى عكس ذلك، الدكتور محمد مرسى هو الفائز، يبدو أن الجماعة العسكريين خدعوك وحاولوا تسريب هذه المعلومة عن طريقك، قلت له: وما مصلحتهم والنتيجة اعتُمدت وستُعلن بعد دقائق؟ ثم إن أحدًا منهم لم يدلِ لى بمعلومة واحدة؛ لأنهم لا يعرفون شيئًا بكل وضوح.
بعد ذلك بقليل اتصل بى مسئول كبير، وقال لى: لقد عرفت يقينًا أن الأمر قد حُسم لمصلحة محمد مرسى وانتهى الأمر، وحتى هذا الوقت كان يساورنى الشك كثيرًا.
فى الرابعة إلا الربع تقريبًا صعد أعضاء اللجنة إلى المنصة، صمت الجميع وتسمر المصريون أمام شاشات التلفاز، لاحظ الكثيرون أن المستشار حاتم بجاتو كان متوترًا ويظهر عليه الإعياء الشديد وكان ذلك بسبب الإرهاق الذى اعتراه لقلة النوم والمجهود الذى بذله طيلة الأيام الماضية.
جاء دور المستشار فاروق سلطان، بدأ حديثه بمقدمة طويلة شعر الكثيرون من خلالها أن الفائز هو أحمد شفيق، إلا أنه فاجأ الجميع بفوز د.محمد مرسى العياط 13٫230٫131 وحصوله على صوتًا أى بنسبة تبلغ نحو 51.76٪ فى حين حصل الفريق أحمد شفيق على 12.347.280 صوتًا بنسبة تزيد قليلاً على الـ48٪ من مجموع الأصوات الصحيحة.
سادت الشارع المصرى مشاعر متناقضة، إلا أن الكثيرين كانوا يتمنون للرئيس الجديد النجاح فى مهمته وتحقيق الاستقرار والأمن فى البلاد.
وفى مقابل ذلك كان هناك من أبدوا مخاوفهم وقلقهم من حكم الإخوان المسلمين والسعى إلى الإقصاء وتصفية الحسابات.
كان أول مَنْ اعترتهم الصدمة هو هذا الجمهور الغفير الذى خرج إلى ساحة المنصة بمدينة نصر، بعد النداء الذى وجهته باسمى وباسم الأغلبية الصامتة للتجمهر أمام المنصة مساء السبت 23 يونية، حيث شارك نحو مليونى مواطن رفعوا شعارات التأييد للمجلس العسكرى وللفريق أحمد شفيق فى مواجهة عمليات الابتزاز والتهديد والتخويف التى كانت تمارسها عناصر جماعة الإخوان المسلمين وحلفاؤهم ضد اللجنة العليا للانتخابات وضد المجلس العسكرى. لقد وجَّه الكثيرون فى هذا الوقت اللوم إلى المجلس العسكرى وحمَّلوه مسئولية فوز د.محمد مرسي، بل إن بعضهم اتهم المجلس بالتواطؤ مع الأمريكان وراح يتهم اللجنة العليا للانتخابات بتغيير النتيجة لصالح محمد مرسي، بعد أن انتشرت شائعات عن عمليات عنف وتدمير واسعة النطاق سوف تقوم بها جماعة الإخوان ومعها تيارات إسلامية وعناصر أخرى قَدِمَت من غزة، وقيل فى هذا الوقت إن المشير تراجع خوفًا من انفجار الأوضاع، وإنه لهذا السبب أعلن حالة الاستعداد القصوي، وجرى سحب الأموال من البنوك ووُضعت فى البنك المركزى ومُنح العاملون إجازة نصف يوم خوفًا من تردى الأحوال.
لقد تجاهل أصحاب هذا الرأى أن نحو 1.5 مليون سيارة تم رصدها تعبر من القاهرة والمحافظات القريبة إلى الإسكندرية والساحل الشمالى لقضاء إجازة تبدأ من يوم الخميس 14 يونية ثم العودة بعد انتهاء إجازة الانتخابات «السبت والأحد» أى أنهم عادوا يوم الإثنين 18 يونية.
كان مجموع هذه الأصوات التى غابت عن الانتخابات وفضلت السفر إلى الشواطئ يصل إلى حوالى 3 ملايين صوت، وكان أغلبهم سيصبُّ بالتبعية لصالح المرشح أحمد شفيق.
بدأ الرئيس مرسى بعد الإعلان عن فوزه مباشرة فى ممارسة مهام ، حتى قبيل أدائه القسم، التقى أعضاء المجلس العسكري، ومضى إلى القصر الجمهورى فى وقت متأخر من مساء اليوم ذاته، عقد الاجتماعات، وبدأ فى استقبال كبار المسئولين داخل القصر وخارجه.
وفى الاجتماع الأول الذى عقده الرئيس مرسى مع أعضاء المجلس الأعلى للقوات المسلحة بعد انتخابه مباشرة بمقر وزارة الدفاع كان الرئيس ودودًا للغاية، أثنى على دور الجيش ووفاء المشير بالعهد الذى قطعه على نفسه، وقال إن المجلس العسكرى سوف يجد كل التعاون منه، وإنه يحتاج إلى دور القوات المسلحة فى الفترة المقبلة لترسيخ الاستقرار وحماية الشرعية فى البلاد، وقد استمع الرئيس إلى مواقف من المشير ورئيس الأركان تؤكد حرص المؤسسة العسكرية على التعاون مع الرئيس حتى آخر مدى.فى الحادية عشرة من صباح الأربعاء 27 يونية، كان موعدى أنا وأحد الأصدقاء مع الفريق سامى عنان بمقر وزارة الدفاع. وفى الصالون الملحق بمكتبه جلسنا مع الفريق عنان لأكثر من ساعة ونصف الساعة تقريبًا، كان سؤالنا المشترك: ماذا جري؟ أقسم الفريق إنه لم يكن يعلم بنتيجة الانتخابات الرئاسية حتى تم إعلانها.. نظرت إلى الصديق الذى كان يجاورني، لاحظ الفريق أننى ربما أكون غيرَ مصدقٍ لروايته، قال: «أنت تعرف صراحتي، أنا لم أقل سوى الحقيقة، هذا هو ما حدث بالضبط»!!
• قلت له: ولكن هناك من يقول «إن مسئولًا كبيرًا أبلغ الفريق أحمد شفيق المرشح الرئاسى أنه هو الفائز، وهنأه فى وقت مبكر من صباح الأحد 25 يونية».
•• نظر الفريق إليَّ بدهشة، وقال: لا تصدق ذلك، لا أحد كان يعلم شيئًا، لقد تكتم أعضاء اللجنة النتيجة النهائية، ولم يُقدم أحد منا على سؤالهم؛ لأنهم ببساطة كانوا سيرفضون أى تدخل مِنْ كائن مَنْ كان.
بعد حوار مطول، تطرق للكثير من قضايا اللحظة الراهنة، ومعطيات الواقع بعد فوز د.محمد مرسي، قرر صديقى أن يغادر، وبقيت لبعض الوقت مع اللواء ممدوح شاهين، ثم سرعان ما التقيت المشير حسين طنطاوي، بحضور الفريق سامى عنان، وما أن رآنى المشير حتى بادرنى بالسؤال: إيه الأخبار؟!
• قلت له: الأخبار عند سيادتك.
•• قال: أنا أسأل عن رأى الناس!
• قلت: الناس منقسمة فى الشارع، وهناك من يرى أن شيئًا ما قد حدث فى اللحظات الأخيرة.
•• قال المشير: زى إيه؟!
• قلت له: يقولون إن المجلس العسكرى قد تدخل، بفعل ضغوط خارجية وأجبر اللجنة العليا للانتخابات على تغيير النتيجة!!
• قال: هذا غير صحيح .. نحن لم نتدخل، ولا نستطيع أن نتدخل، لقد قالوا قبل ذلك إننا تدخلنا لدى المحكمة الدستورية لحل مجلس الشعب، وأنا شخصيًا فوجئت، وكنت أتمنى ألا يُحلّ مجلس الشعب، ولكن هذا هو حكم المحكمة الدستورية وهى لها حجيتها، نحن لم نتدخل فى انتخابات مجلس الشعب أو الشورى، فكيف نتدخل فى انتخابات الرئاسة؟!
• قلت: هناك من يقول إن هناك صفقة من وراء فوز محمد مرسي؟!
•• قال: هذا غير حقيقي، القوات المسلحة لا مصلحة لها فى نجاح هذا أو ذاك، وأنت تعرف مواقفنا.
• قلت: وهل تعتقد يا سيادة المشير أن الناس يمكن أن تصدق أن القائمين على أمر البلاد لم يكونوا يعلمون بنتيجة الانتخابات؟ إذن لماذا هذه الإجراءات الأمنية المشددة التى تم اتخاذها صبيحة يوم إعلان النتيجة؟!
•• قال: هذا دليل على أننا لم نكن نعرف النتيجة؛ لأننا افترضنا فوز مرسى أو شفيق، وقلنا: ربما تكون هناك ردود فعل غاضبة من أنصار أى من الطرفين، هذا هو دور الجيش فى الحفاظ على أمن البلاد فى هذا الوقت الحساس.
•قلت: معنى ذلك سيادة المشير أنك سمعت بالنتيجة مثلك مثلنا؟!
•• قال: لقد كنا مجتمعين أنا وعدد من أعضاء المجلس الأعلى ورئيس الأركان الفريق سامى وكنا نتابع من شاشة التليفزيون، ذهبت إلى «الحمّام» وعدت بعد ذلك لأفاجأ بفوز د.محمد مرسى بمنصب الرئيس، هذه هى نتيجة الانتخابات، والشعب هو صاحب القرار ولست أنا!!
وعموما لقد تركنا كل شىء للشعب والشعب الذى جاء بهم يمكن أن يسكتهم إذا وقوف ضد مصالحهم.
نظر إليّ الفريق سامى وقال: ألم أقل لك ذلك منذ قليل؟
مضيت إلى منزلى فى هذا الوقت، قطعت الطريق وأنا مستغرق فى التفكير، سيناريو الأحداث لا يريد أن يغيب عن ذهني، رن جرس الهاتف بعد قليل، كان أحد أعضاء المجلس الأعلى للقوات المسلحة على الجانب الآخر.
• قال لى: إيه الأخبار؟ عرفت أنك كنت مع المشير والفريق..
•• قلت له على الفور: هل يُعقل أن المشير لم يكن يعلم نتيجة الانتخابات الرئاسية، أنا لا أصدق؟!!
• قال: وأنا شخصيًا أؤكد لك أنه لم يكن يعرف حتى اللحظة الأخيرة، أنت تعرف المشير جيدًا، إنه يرفض التدخل، لقد كان معنا فعلاً، يتابع النتيجة من التليفزيون مثله مثل الآخرين.. إن أحدًا منا لم يكن يعلم بشىء.
كانت الأنباء متناقضة، وحملات الشائعات والاتهامات ضد المشير والمجلس العسكرى لا تريد أن تتوقف، كان الكثيرون يحمِّلونه المسئولية عن وصول أول مرشح إخوانى للسلطة فى مصر، وكانوا يدللون على ذلك بقبوله لكافة إملاءات الإخوان بدءًا من عدم إصدار دستور يسبق الانتخابات، وانتهاء بالسماح لجماعة محظورة بالتحرك واسعًا دون اتخاذ أى إجراءات قانونية فى المواجهة.
وكان المشير فى المقابل يحمَّل الناخبين مسئولية الاختيار، وكان يردد دوما القول «لقد أردتم انتخابات نزيهة، ولم يكن بوسعى أن أفعل غير ذلك.. لم نسع إلى سلطة، وإنما تحملنا المسئولية بأمانة وشرف فى فترة تاريخية مهمة وخطيرة».
