رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري
الجمهور الإخباري
رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري

لقطات من احتفالات المصريين بميلاد السيدة زينب بالقاهرة.. تقليد ممتد عبر القرون

مسجد السيدة زينب
مسجد السيدة زينب

ويُحتفل بمولد السيدة زينب سنويًا في مصر، وتحديداً في مسجدها بالقاهرة، حيث يتوافد محبّوها من الطرق الصوفية من جميع الانحاء للاحتفال بمولدها، وتُقام حلقات الذكر والإنشاد الدينى في الخامس من جمادى الأولى في السنة الخامسة للهجرة تأتي الذكرى العطرة لميلاد السيدة زينب بنت الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنهما، فتتجدد فينا أنوار الكمال الإنساني، وتنبعث في القلوب معاني التزكية، والوصال الروحي؛ حيث تتلاقى المحبة والاقتداء بأهل بيت النُّبوة في أسمى صورها.

وقد ولدت السيدة زينب - رضي الله عنها - النور في المدينة المنورة في بيت يمثل التقاء النُّبوة بالإمامة والولاية، نشأت في كَنَف الجود والكمال، بين الأب  الإمام علي  - رضي الله عنه - والأم الزهراء السيدة فاطمة - رضي الله عنها - والأخوين الإمامين سيدنا الحسن وسيدنا الحسين - رضي الله عنهما-، فكانت مهدًا للأنوار، ومُسْتَودعًا للأسرار.

عندما وصلت السيدة زينب - رضي الله عنها – إلى مصر في شعبان سنة ٦١ للهجرة خرج لاستقبالها أمير مصر مَسْلَمَة بن مَخْلَدِ بن الصَّامِت الأنصاري، وحشود المسلمين في مدينة "بُلْبَيس" التي تقع اليوم بمحافظة الشرقية، فكان استقبالًا يليق بمقامها، ودليلًا على عظيم محبة أهل مصر لها، ولأبيها وأمها، ومن قبلهم جدها الحبيب النبي – صلى الله عليه وآله وسلم-، وعندما رأت حفاوة التكريم، رفعت دعاءها الخالد: "يا أهل مصر، نصرتمونا نصركم الله، وآويتمونا آواكم الله، وأعنتمونا أعانكم الله، جعل الله لكم من كل ضيق مخرجًا، ومن كل هم فرجًا"، فكان هذا الدعاء بركة على مصر وأهلها إلى يوم القيامة.

يُعد الاحتفال بمولد السيدة زينب رضي الله عنها واحدًا من أعمق المظاهر الدينية والاجتماعية التي تجذّرت في الوجدان المصري عبر العصور، بوصفه تعبيرًا عن المحبة الصادقة لآل بيت النبي ﷺ، وامتدادًا لثقافة التدين الشعبي التي تداخل فيها الروحي بالاجتماعي، والعبادي بالعمراني. ولم يكن هذا الاحتفاء طارئًا أو محدودًا بزمن بعينه، بل شهدته مصر في مختلف عصورها الإسلامية، مع اختلاف الأشكال وثبات المعنى.

استمرارية الاحتفال

تشير المصادر التاريخية إلى أن مشهد السيدة زينب رضي الله عنها في القاهرة كان منذ وقت مبكر مقصدًا للزيارة والتبرك، وأن المصريين اعتادوا الاجتماع عنده في مواسم محددة، يتلون القرآن، ويقيمون الذكر، ويتصدقون على الفقراء. 

وقد ذكر تقي الدين المقريزي (ت ٨٤٥هـ) في الخطط والآثار أن مشاهد آل البيت في القاهرة، وعلى رأسها مشهد السيدة زينب، كانت عامرة بالزائرين، ومحل عناية من العامة والخاصة، تُقام عندها المواسم، وتُوقف لها الأوقاف، ويُعرف لها يوم مخصوص يجتمع فيه الناس على الدعاء والصدقات 

وفي العصر الأيوبي، ورغم ما عُرف عنه من ضبط رسمي للشعائر، لم ينقطع الاحتفاء الشعبي بمشاهد آل البيت، بل استمر بصورة اجتماعية ودينية واضحة، وهو ما يذكره ابن شداد (ت ٦٣٢هـ) في سياق حديثه عن عادات أهل مصر في الزيارات الدينية الجامعة، حيث يشير إلى مواسم يتوافد فيها الناس إلى المشاهد المعروفة، ومنها مشهد السيدة زينب، دون إنكار أو منع (ابن شداد، الأعلاق الخطيرة).


أما في العصر المملوكي، فقد اتسعت ظاهرة الموالد والاحتفالات الدينية اتساعًا كبيرًا، وأصبحت جزءًا من النسيج العام للحياة المصرية. ويذكر السخاوي (ت ٩٠٢هـ) في الضوء اللامع أن أهل القاهرة اعتادوا إقامة مواسم سنوية عند قبور الأولياء وآل البيت، تتخللها أعمال البر والذكر، وأن هذه المواسم كانت تحظى بإقبال واسع من الناس على اختلاف طبقاتهم. كما أشار المقريزي في مواضع متعددة إلى كثافة الحضور الشعبي في هذه المواسم، وما كان يصاحبها من تنظيمات عرفية وخدمات موقوفة.

وفي العصر العثماني، استمر الاحتفاء بمولد السيدة زينب ضمن منظومة الموالد الكبرى في مصر، وأخذ طابعًا أكثر انتظامًا، حيث أصبحت بعض المواسم تُحدد بأيام معلومة، وتُدار بالتنسيق بين شيوخ الطرق الصوفية وأعيان الأحياء. ويؤكد عبد الرحمن الجبرتي (ت ١٢٣٧هـ) في عجائب الآثار أن الموالد، ومنها مولد السيدة زينب، كانت من أبرز المناسبات الدينية التي تشهدها القاهرة، ويشارك فيها الناس بالزيارة والإنشاد والصدقات، دون أن يربطها بسلطة سياسية بعينها، بل يعدّها من عادات المصريين الراسخة.

ومع دخول العصر الحديث، حافظ المصريون على هذا الاحتفاء، وإن دخلت عليه تنظيمات إدارية بحكم تطور الدولة الحديثة. وتشير الدراسات المعاصرة إلى أن موعد الاحتفال بمولد السيدة زينب ظل مرتبطًا بشهر ربيع الأول لقرون طويلة، قبل أن يصدر قرار إداري في ستينيات القرن العشرين بنقل موعده إلى آخر ثلاثاء من شهر رجب، وهو قرار تنظيمي موثق لا يمس أصل الاحتفال ولا دلالته الدينية، كما تؤكد ذلك الوثائق الرسمية والدراسات الاجتماعية اللاحقة .

وتؤكد دار الإفتاء المصرية في فتاوى متعددة أن هذه الموالد، بما فيها مولد السيدة زينب، هي من قبيل العادات الجارية التي يعبر بها الناس عن المحبة والتكريم، وأن تنظيم مواعيدها يخضع للمصلحة العامة، دون أن يؤثر ذلك في مكانة السيدة زينب الروحية أو في عمق حضورها في الوجدان الشعبي.

وهكذا يتبين أن احتفاء المصريين بمولد السيدة زينب رضي الله عنها لم يكن ظاهرة عابرة ولا مرتبطة بعصر واحد، بل هو تقليد ممتد عبر القرون، حافظ على جوهره الروحي رغم تغير الأشكال والظروف، وظل شاهدًا على العلاقة الخاصة التي نسجها المصريون مع آل بيت النبي ﷺ، علاقة قوامها المحبة، والتوقير، والبحث عن السكينة في رحابهم.

تم نسخ الرابط