صبري الموجي يكتب في الجمهور : أبدا .. ليست هذه مصر !
في زيارةٍ للمعهد العالي للدراسات الإسلامية بميت عقبة أمام نادي الزمالك العريق، والعريق هنا، يصحُّ أن تكونَ وصفا للمعهد أو للنادي، فليوظفها القارئ كيفما يشاء .
أعود لصلب الموضوع، ودعك من التفريعات؛ بَيْد أنَّ الصلب خطير، والأمرَ مُفزِعٌ لمن كان له قلبٌ أو ألقى السمع وهو شهيد ! إذ إنني في طريقي للمعهد، سلكتُ أحد الشوارع الجانبية بجوار سور نادي الزمالك، أحد فرسي رهان الكرة المصرية، والذي هو ونادي الأهلي صنوان، ونفضِّل أحدهما على الآخر في اللعب .
وفيما أنا أسيرُ في أمان الله، ألفيتُ أمام بوابة دخول الفريق الضيف بهذا الشارع الجانبي أكواما من القمامة، وعلب العصائر، وزجاجات المياه الفارغة، وأكياس من البلاستيك، بها فضلات طعام، فاحت منها روائحُ كريهة، ففرَّ من السير بجوارها المارة، وجذبت إليها القطط والكلاب الضالة، التي قطعت الطريق على الناس، وإذ قاد أحدهم حظُّه السيئ للسير في هذا الشارع، مشى خائفا يترقب، دون أن (يهشَّ، أو ينش)، وإلا تعرّض للعضِّ، وربما الافتراس !
ربما يردُّ عليَّ قارئ: ياعم الكلاب الضَّالة في كلِّ مكان .. نحن في زمن انتشار الكلاب ! وقطعا، هذا يدفعني للرد: في كلِّ مكان جائز، أمَّا في أحياء الزمالك والعجوزة، وجاردن سيتي، وغيرها من الأحياء الراقية، التي تعد أحد مظاهر الصورة الجمالية والحضارية لمصر، والتي كانت، ومازالت مسكن سراة القوم، فهذا والله لا يجوز أبدا !
لايجوز أن يصير الجمالُ في تلك الأحياء أثرا بعد عين !
لا يجوز أن تغزو الكلاب تلك الشوارع، وتصير هي فتوة (الحتَّة)، ولْيَمُت السكانُ والمارة بغيظهم .
أن تنشب بين القطط السمان، وتلك الكلاب معارك حامية الوطيس، يشيب لها الولدان، ويكثر فيها النباح والمواء !
أن تتكسر طرقاتُ شوارع هذه الأحياء، وتكثر بها الحفر، التي يتعثر بها المارة !
أن يكثر بها المتسولون، ومتعاطو الترامادول، وخلافه !
أن تتعرض أشجارها للقطع الجائر، فيتصحر المكان !
أن يحطَّ الغبار على واجهات أبنيتها، فتخيم عليها القتامةُ والسواد !
أن يغضَّ المسئولون الطرف (طوعا أو كرها) عن هذا التلوث وذلك الإهمال !
أن يسكت مسئولو نادي الزمالك ورئيسه على تلك الفوضى، وذلك التلوث السمعي والبصري، وخلافه !
أبدا .. لست هذه مصر، التي أدركنا بعضا من جمالها، الذي عاشه الآباء والأجداد، ريثما كانت تُغسل الشوارع، وتهذب الأشجار، وتطلى الواجهات، وترمم الطرق والأرضيات على الفور عقب الإنشاءات أو الإصلاحات !
أبدا .. ليست هذه مصر، الواجهة الحضارية للشرق الأوسط برمّته .
وليس مستساغا أبدا أن تُهمِل الدولة تلك الأحياء في زحمة انشغالها بمدنها الجديدة، لاسيما وأنَّ من لا ماضي له، فلن يكون له حاضرٌ ولا مستقبل .
والسؤال .. هل هذه هي مصر أمّ الدنيا ؟
ولمصلحة من هذا التشويه المتعمَّد لثروة مصر السياحية، والحضارية والمعمارية، والتاريخية ؟
إنَّ التاريخ، يؤكد أننا دولة ذات ثروات، ومقومات تضمن لنا الريادة والتَّميز، ولكن المورد البشري، المتمثل في مسئول متقاعس عن القيام بواجبه، ومواطن غير منتم، يسير وفق خطة (جهنمية) لهدم هذا البلد، يحولُ بيننا وبين ذلك الهدف المنشود .


