رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري
الجمهور الإخباري
رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري

بشرى لأهالي الدقهلية.. عودة عملاق الصناعة الغائب من ست سنوات

ارشيفية
ارشيفية

الدقهلية هذه البقعة من دلتا النيل، حيث تتجاور الحقول مع المصانع، ويصوغ العمل اليومي علاقةً خفية بين الإنسان والأرض، لا يكون الصمت عابرًا حين يخيم على منشأة صناعية، ولا تكون العودة مجرد تشغيلٍ للآلات.

شركة الدلتا للأسمدة

وفي مشهد ملحمي بعد ست سنواتٍ كاملة، ظلّت فيها مداخن شركة الدلتا للأسمدة بطلخا صامتة، كأنها شاهدة على زمن توقّف فيه النبض الصناعي، وتوارى خلف أسوارٍ من الصمت والانتظار عادت القلعة الصناعية للحياة من جديدة.

فالسنوات الست لم تكن مجرد أرقام في سجلات الإنتاج، بل فراغًا ترك أثره في واحدة من أهم قلاع صناعة الأسمدة في مصر، وفي قطاعٍ يرتبط مباشرةً بالأمن الغذائي وحياة الملايين.

اليوم، يبدأ المشهد في التغيّر؛ لتعود الحركة تدريجيًا للمكان، وتُعاد كتابة فصل جديد في قصة شركةٍ عريقة، كانت يومًا ركيزةً للصناعة الوطنية، وتستعد الآن لاستعادة دورها من جديد.

جولة تعلن نهاية الغياب

بدات القصة من الجولة التفقدية الموسعة التي أجراها المهندس محمد شيمي، وزير قطاع الأعمال العام، داخل أروقة شركة الدلتا للأسمدة بمدينة طلخا بمحافظة الدقهلية؛ فتلك جولة لم تكن بروتوكولية بقدر ما كانت رسالة واضحة بأن زمن التوقف قد انتهى، وأن الدولة اختارت إعادة تشغيل ما توقّف، لا هدمه أو تجاهله.

حيث تابع الوزير ميدانيًا تطورات مشروع إحياء الشركة، ووقف على تفاصيل العمرة الجسيمة لمصنعي الأمونيا واليوريا، اللذين أُغلقا لسنوات، ويجري العمل الآن لإعادتهما إلى الخدمة بطاقة إنتاجية تصل إلى 1200 طن أمونيا يوميًا و1725 طن يوريا يوميًا، تمهيدًا لانطلاق مرحلة إنتاجية جديدة تعيد للمصنع صوته المفقود.

مصنعٌ يحمل ذاكرة الصناعة

لم تكن شركة الدلتا للأسمدة مجرد منشأة صناعية عادية؛ فمنذ تأسيسها عام 1998، منبثقة عن شركة النصر للأسمدة والصناعات الكيماوية بالسويس ذات الجذور الممتدة إلى عام 1946، حملت الشركة على عاتقها دورًا محوريًا في إنتاج الأسمدة الكيماوية، خاصة اليوريا ونترات النشادر والأمونيا وحمض النيتريك.

كانت هذه المصانع جزءًا من دورة حياة الزراعة المصرية، تغذي الأرض وتدعم الإنتاج، قبل أن تتوقف عجلة العمل، وتدخل الشركة في مرحلة غياب طويلة تركت تساؤلات عديدة حول مصيرها.

العودة ليست مجرد تشغيل بل رؤية

اللافت في مشروع إحياء الدلتا للأسمدة أنه لا يقتصر على إعادة تشغيل ما توقف، بل يقوم على رؤية متكاملة لإعادة بناء المصنع وفق أحدث المعايير العالمية؛ فالتطوير الجاري لا يستهدف فقط رفع الطاقة الإنتاجية إلى حدودها القصوى التي تصل إلى 1400 طن يوميًا، بل يشمل تحديث وحدات المرافق المركزية، ومحطات الأمونيا واليوريا، وحمض النيتريك، ونترات الأمونيوم، ومحطة توليد ثاني أكسيد الكربون.

هنا، لا تعود الشركة إلى الماضي، بل تعبر إليه، مستندة إلى تكنولوجيا حديثة، وكفاءة أعلى في استهلاك الطاقة، وانبعاثات أقل، بما ينسجم مع متطلبات التحول الأخضر.

شراكة دولية وخبرة عالمية

ولتأكيد جدية المشروع، أُسندت أعمال التطوير إلى شركة "تيسن كروب" الألمانية، إحدى كبرى الشركات العالمية في مجالات الصناعة والتكنولوجيا والتحول الأخضر، والتي تعمل في أكثر من 75 موقعًا حول العالم.

هذه الشراكة تعكس إدراك الدولة أن إحياء الصناعة لا يتم بالحلول التقليدية، بل عبر نقل خبرات عالمية قادرة على إعادة المصنع إلى المنافسة الإقليمية والدولية.

الأسمدة أمن غذائي واقتصاد وطني

وفي هذا الإطار، أكد الدكتور محمود عصمت، وزير قطاع الأعمال العام، خلال توقيع اتفاقية التعاون بين شركة الدلتا للأسمدة و"تيسن كروب"، أن صناعة الأسمدة تمثل أحد أعمدة الاقتصاد القومي، وركيزة أساسية لتحقيق الأمن الغذائي ودعم خطط التوسع الزراعي واستصلاح الأراضي.

وأشار إلى أن الدولة تولي اهتمامًا خاصًا بتطوير الشركات التابعة، ليس فقط لتغطية احتياجات السوق المحلي، بل لزيادة الصادرات وفتح أسواق جديدة، مع الالتزام الصارم بالمعايير البيئية العالمية.

ما بعد العودة

ومع اكتمال أعمال التطوير، يُنتظر أن تستعيد شركة الدلتا للأسمدة مكانتها كمصدر رئيسي لسماد اليوريا والنترات، وهما من أكثر المنتجات طلبًا محليًا وعالميًا؛ كما يُتوقع أن تسهم الشركة، بعد عودتها، في تقليل الفجوة بين الإنتاج والاستهلاك، وتعزيز الصادرات المصرية في وقت يشهد فيه العالم طلبًا متزايدًا على الأسمدة.

هكذا، لا تمثل عودة الدلتا للأسمدة مجرد إعادة تشغيل مصنع، بل استعادة ذاكرة صناعية، ورسالة بأن ما غاب يمكن أن يعود أقوى، حين تتوافر الإرادة، والرؤية، والاستثمار الصحيح.

وفي النهاية المكان، مثل البشر، يحتفظ بذاكرته، ويعرف الغياب كما يعرف الانتظار؛ هنا، في مدينة طلخا، ظلّت شركة الدلتا للأسمدة لسنواتٍ طويلة شاهدًا صامتًا على توقفٍ لم يكن فقدانًا للإنتاج فحسب، بل انقطاعًا في دورة الحياة ذاتها، إلى أن جاء وقت العودة، لا بوصفها فعلًا تقنيًا، بل كاستعادة لمعنى أعمق: أن ما يُبنى بالإرادة لا يموت، وإنما يصبر حتى يُكتب له أن يبدأ من جديد.

تم نسخ الرابط