أزمة أعداد خريجي طب الأسنان في مصر.. سوق العمل يتجاوز طاقته الاستيعابية
تتفاقم أزمة سوق العمل في مهنة طب الأسنان في مصر بحدّة خلال السنوات الأخيرة، في ظل زيادة مطردة في أعداد الخريجين من كليات الطب، وهو ما أثار تحذيرات نابعة من الهيئات المهنية والخبيرين في القطاع. وتشير أحدث البيانات إلى أن الهيكل الحالي لسوق العمل لم يعد قادراً على استيعاب الكميات المتنامية من الخريجين، ما يهدد جودة خدمات الصحة الفموية، ويزيد من بطالة الخريجين الخفية، ويطرح تساؤلات جوهرية حول سياسات التعليم الطبي والربط بين مخرجات التعليم واحتياجات السوق.

115 ألف طبيب أسنان في مصر.. والسوق يحتاج 40 ألف فقط
كشف الدكتور إيهاب هيكل، نقيب أطباء الأسنان، في مداخلة ببرنامج «أهل مصر»، أن عدد أطباء الأسنان المسجلين بالنقابة يبلغ نحو 115 ألف طبيب، وهو رقم يفوق بوضوح قدرة سوق العمل المصري على استيعابه. وأوضح أن سوق العمل المصري لا يحتاج فعليًا لأكثر من 40 ألف طبيب أسنان في جميع أرجاء الجمهورية، ما يعني وجود فائض يهدد الاستقرار المهني لمئات الآلاف من الخريجينـ، حيث تتفاقم الأزمة مع تنامي عدد كليات طب الأسنان إلى نحو 85 كلية في مختلف أنحاء البلاد، دون ضوابط واضحة لكبح تدفق الخريجين إلى سوق غير قادر على امتصاصهم.
13 ألف خريج سنويًا وأزمة تركّب مستقبل المهنة
ويمضي التقرير لبيان أن عدد الخريجين الجدد في طب الأسنان يصل سنويًا إلى نحو 13 ألف طبيب، في حين أن هناك أكثر من 8 آلاف طالب في كل سنة دراسية مماثلة، ما يعني إمكانية انضمام نحو 80 ألف طبيب جديد خلال خمس سنوات فقط، إذا استمر الوضع على ما هو عليه، ليرتفع إجمالي الأطباء إلى نحو 200 ألف طبيب في السنوات المقبلة، فيما وصف نقيب أطباء الأسنان هذا السيناريو بأنه «صورة كارثية وواضحة» تصيب سوق العمل بـ«تكدّس وظيفي»، وتقوّض فرص التشغيل المناسبة للأطباء الجدد.

تضارب السياسات يفاقم المشكلة
ومن أهم الأسباب التي أشار إليها الدكتور هيكل هو تضارب السياسات بين جهات الدولة المختلفة، خاصة في إدارة التوظيف والتكليف للخريجين. وأوضح أن وزارة الصحة تطبق نظام التكليف وفقًا للاحتياجات الفعلية، لكنه في الواقع أدى إلى تعيين أعداد محدودة فقط من خريجي دفعة 2023، بينما يجد الباقون أنفسهم في مواجهة مباشرة مع سوق عمل خاص مكتظ وغير قادر على استيعابهم، حيث يأتي هذا التضارب بين ما توفره جهة التعليم وبين ما يحتاجه سوق العمل كشف فجوة كبيرة بين التخطيط المؤسسي والتطبيق الميداني.
سوء التوزيع الجغرافي يشدّد الأزمة
أشار نقيب أطباء الأسنان إلى أن القاهرة وحدها تضم نحو 30 ألف طبيب أسنان من إجمالي 38 ألف عيادة مسجلة على مستوى الجمهورية، وهو ما يعكس سوء التوزيع الجغرافي للأطباء، إذ يتركز كثير منهم في المدن الكبرى على حساب المناطق الأقل خدمات، وبالتالي يزداد التنافس بين الأطباء على فرص العمل المحدودة يضاعف هذا من الضغط على الخريجين الجدد، ويحد من فرصهم في الحصول على التدريب والعمل المناسب.

أزمة التدريب تؤثر على جودة الممارسة الطبية
وبيّن التقرير أن كثيرًا من الخريجين يواجهون صعوبات بالغة في الحصول على فرص تدريب، إذ لا يجد البعض حتى أماكن للتدريب المجاني، ما يهدد جودة الممارسة الطبية مستقبلاً، ويدفع البعض إلى مغادرة المهنة أو العمل في مجالات بعيدة عن التخصص.
الحاجة إلى إعادة تخطيط التعليم الطبي والتوظيف
يمثّل هذا الواقع مؤشرًا هامًا على ضرورة إعادة النظر في أعداد القبول بكليات طب الأسنان وربطها بقراءة دقيقة لاحتياجات سوق العمل والتركيبة السكانية، مع تبني سياسات واضحة لإدارة الطاقة البشرية في القطاع الصحي. ويشير الخبراء إلى أن المشكلة ليست في إنشاء كليات جديدة بقدر ما هي في ضبط الطاقة الاستيعابية السنوية بما يتوافق مع الطلب الحقيقي على الخدمات الصحية.
إصلاح عاجل لتفادي التكدّس المهني
تثبت البيانات أن استمرار هذا الاتجاه دون إصلاحات هيكلية سيؤدي إلى زيادة البطالة المقنعة، وتراجع مستويات الدخل المهني، وضعف جودة خدمات الرعاية الصحية الفموية. وبالتالي، فإن مراجعة السياسات التعليمية وربط مخرجات التعليم بالسوق، بجانب تحسين آليات التكليف والتوزيع الجغرافي، تُعد خطوات ضرورية للحفاظ على استدامة المهنة وضمان مستقبل مهني لائق للخريجين، خدمة للمصلحة العامة ورفعة الصحة العامة في مصر.


