الإسكندرية تستعد لمرحلة جديدة.. نقلة نوعية في المنتزه وأنطونيادس
تشهد محافظة الإسكندرية تحولًا لافتًا في خريطة الاستثمار السياحي، مع دخول عدد من المشروعات الفندقية الكبرى حيز التشغيل، في خطوة تعكس عودة المدينة بقوة إلى واجهة السياحة المحلية والدولية.
ففي إطار المتابعة الدورية لمشروعات التنمية بالمحافظة، أعلن الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، خلال اجتماع عقد في ديسمبر 2025، عن بدء تشغيل 6 فنادق جديدة خلال العام الجاري، بطاقة إجمالية تبلغ 750 غرفة فندقية، وذلك ضمن خطة شاملة لتطوير منطقتي المنتزه وأنطونيادس.

فندق أنطونيادس التاريخي
في قلب حدائق أنطونيادس التاريخية، شهدت الإسكندرية افتتاح واحد من أبرز المشروعات الفندقية الجديدة، وهو فندق "هلنان أنطونيادس بالاس" (Helnan Antoniades Palace)، الذي يُعد إضافة نوعية للقطاع السياحي الراقي بالمدينة.
الفندق، المصنف من فئة خمس نجوم، يضم نحو 127 غرفة وجناحًا، وقد جرى تصميمه بما يحافظ على الطابع التاريخي للحدائق والمباني المحيطة، مع إدخال عناصر فندقية حديثة تلبي معايير الضيافة العالمية.

ويضم الفندق مجموعة متكاملة من المرافق والخدمات، تشمل مطاعم متنوعة، ومناطق ترفيهية، ومسبحًا خارجيًا، ما يجعله وجهة مميزة للسياحة الثقافية وسياحة الاستجمام في آن واحد، ويعيد إحياء واحدة من أعرق المناطق التاريخية في المدينة.
وجهة فندقية فاخرة
وفي جوي احتفالي مهيب كان عقد مهرجان الإسكندرية السينمائي لدول البحر المتوسط في سبتمبر الماضي بفندق هلنان أنطونيادس بالاس داخل حديقة أنطونيادس التاريخية بالإسكندرية، حيث تم الإعلان عن تفاصيل الدورة الحادية والأربعين للمهرجان السينمائي العريق.

المنتزه وقصور التاريخ
وفي منطقة المنتزه، شهد عام 2025 تشغيل فندق ريكسوس المنتزه" (Rixos Montaza)، الذي أُقيم داخل قصر السلاملك التاريخي ومحيطه، في تجربة فريدة تمزج بين عراقة المكان وفخامة العلامة الفندقية العالمية.
ويقدم الفندق تجربة إقامة فاخرة بنظام الإقامة الشاملة (All Inclusive)، مستهدفًا شريحة السياحة الراقية، ومضيفًا بعدًا جديدًا لمنطقة المنتزه التي لطالما ارتبطت بالتراث الملكي والطبيعة الساحرة.
مشروعات طرق وبنية تحتية
لا يأتي هذا التوسع الفندقي بمعزل عن تحسين البنية التحتية، إذ يتزامن تشغيل الفنادق الجديدة مع تنفيذ 9 مشروعات طرق كبرى في الإسكندرية، بإجمالي أطوال تصل إلى 117 كيلومترًا، في خطوة تستهدف تسهيل الوصول إلى المناطق السياحية والاستثمارية، وتحسين حركة التنقل داخل المدينة، بما يعزز من جاذبية الإسكندرية كوجهة سياحية متكاملة.

حزمة مشروعات بعوائد مستدامة
وخلال الاجتماع، استعرض محافظ الإسكندرية تفاصيل حزمة موسعة من المشروعات ذات العوائد المستدامة، تضم 18 مشروعًا متنوعًا في عدة قطاعات، تهدف إلى تعزيز الموارد الذاتية للمحافظة وتحقيق الاستدامة المالية.
وأوضح المحافظ أن قطاع السياحة يحتل موقعًا محوريًا ضمن هذه الحزمة، مشيرًا إلى أن تشغيل الفنادق الستة الجديدة يمثل خطوة مهمة نحو زيادة الطاقة الفندقية، ورفع القدرة الاستيعابية للمدينة، وخلق فرص عمل مباشرة وغير مباشرة.

مستقبل السياحة التاريخية
إلى جانب ذلك، كشف المحافظ عن وجود تصورات مقترحة لتطوير منطقة قلعة قايتباي، في إطار رؤية تستهدف تعظيم الاستفادة السياحية من المواقع التاريخية، وتحويلها إلى نقاط جذب عالمية، مع الحفاظ على قيمتها الأثرية.
لتتحول قلعة قايتباي والتي تقف عند نهاية جزيرة فاروس، في منطقة السيالة بحي الجمرك، وكأنها شاهدٌ صامت على تحولات الزمن، وحارسٌ أبدي لذاكرة الإسكندرية إلى أيقونة للسلام والجذب السياحي.
عجائب الدنيا السبع
ففي هذا الموضع الفريد، حيث سقطت ذات يوم إحدى عجائب الدنيا السبع، لم يكن البناء مجرد استبدالٍ لحجرٍ بحجر، بل انتقالٌ في الفكرة من نور يهدي السفن إلى حصن يحمي الوطن؛ فبعد أن أطاح زلزال عام 702 هـجريا فيما بين نهاية عام 1302 وبداية عام 1303ميلاديا بمنارة الإسكندرية، نهض المكان من ركامه مجددًا حين شرع السلطان الأشرف أبو النصر قايتباي، بين عامي 882 و884 هجريا والذي يوافق تقريباً بين عامي 1479 و 1480 ميلادي في تشييد القلعة، لتصبح رمزًا للقوة والدفاع في زمنٍ كانت فيه المدينة تواجه تهديدات مصيرية.
ومع تعاقب العصور، لم تفقد القلعة أهميتها، بل تعمّق حضورها، خاصة في عهد السلطان المملوكي قانصوه الغوري الذي عززها بالسلاح والعتاد، لتظل خط الدفاع الأول عن بوابة مصر البحرية؛ غير أن المفارقة التي يفرضها الزمن اليوم، أن القلعة التي شُيّدت للحرب، تتحول في عصرنا الحديث إلى أيقونة للسلام والجذب السياحي، تُستعاد قيمتها لا عبر المدافع، بل عبر الرؤية والتطوير.

قلعة قايتباي
فالقلعة والمنطقة المحيطة بها تشهدان ملامح تطور تتناغم مع روح المكان، من أعمال تطوير الواجهات البحرية، وتحسين مسارات الحركة والخدمات، إلى إعادة تنظيم المنطقة لتصبح فضاءً مفتوحًا للسياحة الثقافية والتاريخية.
وهكذا، تعود قلعة قايتباي لتؤدي دورها الحضاري من جديد، لا كحصنٍ يصد الأخطار، بل كجسرٍ يربط الماضي بالمستقبل، ويجسد فلسفة الإسكندرية الحديثة التي ترى في التاريخ قوة ناعمة، وفي التراث أساسًا لتنمية سياحية مستدامة.
الإسكندرية تعيد تقديم نفسها
وفي النهاية ومع هذا الزخم من المشروعات الفندقية والبنية التحتية، تبدو الإسكندرية وكأنها تعيد تقديم نفسها من جديد، مدينةً قادرة على تحويل تاريخها العريق وقصورها وحدائقها إلى فرص استثمارية وسياحية مستدامة. وبين المنتزه وأنطونيادس، تتشكل ملامح مرحلة جديدة، تضع المدينة على خريطة السياحة الفاخرة، وتؤكد أن الإسكندرية لم تعد فقط مدينة للذكريات، بل وجهة واعدة للمستقبل.



