رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري
الجمهور الإخباري
رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري

دكتورة مها عبد القادر تكتب: ذكاء عاطفي أم خداع رقمي؟

دكتورة مها عبد القادر
دكتورة مها عبد القادر

يعيش الإنسان اليوم تجربة جديدة تتشكل في رحم التقنية، حيث باتت مشاعره وانفعالاته وطرائق تعبيره جزءًا من منظومة رقمية هائلة تعيد تشكيل وعيه وتوجه إحساسه بالعالم، والوجدان الإنساني الذي كان كيانًا حرًا متفردًا أصبح خاضعًا لتقنيات الرصد والتحليل والتأثير، ضمن فضاء افتراضي يتغذى على بياناته ويعيد إنتاجها في صورة انفعالات مصطنعة وتفاعلات مبرمجة، فالذكاء العاطفي كان لوقت قريب ذروة الوعي الإنساني وقدرته على التفاعل الأخلاقي والوجداني مع الذات والآخر، غير أنه في زمن الرقمنة الشاملة تحوّل إلى ميدان مفتوح للخداع العاطفي، تمارسه الخوارزميات عبر الإعلانات الموجّهة، والمحتوى المُصاغ بعناية لتوجيه الانفعالات، ودوائر التفاعل المصطنعة التي تخلق وهم التواصل بينما تُعيد برمجة المشاعر في الخفاء.

وهنا تتجلي إشكالية الوعي المعاصر، هل ما نشهده من تفاعلٍ عاطفي وتواصل رقمي يمثل تطورًا في الذكاء العاطفي الإنساني؟ أم أننا إزاء ذكاء عاطفيٍ اصطناعي يدار من خلف الشاشات، يوجه العواطف ويعيد تشكيل الأذواق والقيم بما يخدم مصالح اقتصادية وسياسية خفية؟ ومن ثم تأتي أهمية الوعي الإنساني بوصفه حصنًا أخلاقيًا ومعرفيًا يحمي جوهر الإنسان من الاختراق العاطفي والمعرفي، ويصون القيم من الانهيار تحت هيمنة الخوارزميات وسطوة السوق، وتقتضي استعادة التوازن بين الوعي الإنساني والذكاء الاصطناعي تأسيس منظومة وعي قيمي معرفي، تدمج فيها الأخلاق والعقل بالتقنية، والوجدان، ليظل الإنسان مركز المعادلة في عالمٍ أصبحت فيه المعلومة والمشاعر مادة للتلاعب والتوجيه.

ويرتبط مفهوم الذكاء العاطفي بقدرة الإنسان على فهم ذاته، وإدراك انفعالاته، والتحكم في عواطفه وتفاعلاته مع الآخرين بوعيٍ واتزان، وهو البعد الوجداني للأخلاق، حيث تتكامل العاطفة مع العقل لتنتج سلوكًا أخلاقيًا راشدًا يعبر عن إنسانية الفرد ونضجه الداخلي، ويمثل الذكاء العاطفي أحد أهم محددات النجاح الإنساني، لأنه يمكن الفرد من بناء علاقات قائمة على الثقة والتعاطف والمسؤولية، ويحول دون الانفعالات المدمرة والصراعات غير الضرورية، مما يجعل منه طاقة ناعمة تحفظ التوازن الإنسان.

وقد أدي دخول الإنسان إلى العالم الرقمي لتغير جذريًا في طبيعة هذا التفاعل الإنساني، حيث تحولت العواطف من تعبيرٍ صادق عن تجربة داخلية إلى استجاباتٍ لحوافز رقمية مصممة بعناية، تستثير الانتباه وتستدرّ العاطفة وتوجّه السلوك نحو أهداف محددة، سواء كانت تجارية أو أيديولوجية أو سياسية، وهكذا بدأ الانتقال من ذكاءٍ عاطفيٍّ إنسانيٍّ حرّ إلى ذكاءٍ عاطفيٍّ مبرمجٍ يُدار بالخوارزميات، يوجّه الانفعالات ويضبط المزاج الجمعي ويُعيد تعريف مفهوم التعاطف ذاته بما يخدم مصالح السوق أو سلطة الصورة، إننا أمام مشهد تتداخل فيه الذات الرقمية مع الذات الإنسانية حتى يكاد الخط الفاصل بينهما يتلاشى، مما يفرض علينا إعادة النظر في معنى الوعي العاطفي في زمنٍ تُدار فيه المشاعر بذكاءٍ اصطناعي.

ولقد نجحت الخوارزميات الحديثة في التوغّل إلى عمق النفس البشرية، فباتت قادرة على تحليل الأنماط الانفعالية للمستخدمين، ورصد ميولهم ورغباتهم وتفضيلاتهم النفسية بدقةٍ متناهية. وبذلك تحوّلت البيانات الوجدانية إلى أداةٍ استراتيجية للتحكم في السلوك الإنساني، تُستخدم من قبل المؤسسات الإعلامية والتجارية لتوجيه القرارات وتشكيل الاتجاهات، ومن خلال التعاطف المصطنع في الروبوتات، والرسائل العاطفية في التسويق الإلكتروني، والمحتوى الإيجابي الزائف في شبكات التواصل، يُعاد تشكيل الوعي الجمعي بطريقةٍ تجعل الإنسان يظن أنه يتفاعل بحرية، بينما هو في الحقيقة مستهلكٌ مبرمجٌ تتحكم في انفعالاته معادلات رقمية لا يشعر بسلطتها.

وتتسلل هذه الآليات عبر لغة المشاعر ذاتها؛ فتُستخدم مفردات الحب والخوف والانتماء والنجاح كوسائل للهيمنة النفسية، تُغري وتُطمئن وتُخدّر، لتنشئ حالة من الانقياد الوجداني المقنّع بعبارات الدفء الإنساني والتفاعل الاجتماعي، وهكذا يتحوّل الذكاء العاطفي، الذي كان في جوهره أداةً لتحقيق التوازن النفسي وتنمية الوعي الأخلاقي، إلى وسيلة لاختراق الوعي ذاته عبر محاكاة المشاعر الإنسانية، فيصبح الإنسان مفعولًا به في لعبة وجدانية تدار بخوارزمياتٍ بارعة، تَسلبه تدريجيًا قدرته على التمييز بين العاطفة الأصيلة والانفعال المصطنع.

وتتجاوز خطورة الاختراق الرقمي حدود سرقة البيانات والمعلومات، لتبلغ مستوىً أخطر يتمثل في اختراق القيم والمشاعر والوجدان الجمعي، فعندما تُعاد صياغة المفاهيم الأخلاقية والاجتماعية عبر المحتوى الرقمي الموجَّه، تتعرض المنظومة القيمية الإنسانية إلى ضعف وتراجع بطيءٍ ومستتر يطال بنية الوعي ذاته، حيث يروّج العالم الرقمي لفكرة الحرية المطلقة دون ضوابط، ولنزعة الذات المركزية التي تُقدّس الرغبة الشخصية على حساب المبدأ والمسؤولية، ويُغري الفرد بتجارب انفعالية فورية تُشبِعه لحظيًا وتُضعِف ارتباطه بالواقع، فتتحول العلاقات إلى تفاعلاتٍ عابرة، والقيم إلى شعاراتٍ، والهوية إلى ملفٍّ افتراضيٍّ قابلٍ للتعديل في أي لحظة.

ويُعد الاغتراب الوجداني أخطر ما يفرزه الواقع الرقمي حيث يفقد الإنسان تدريجيًا قدرته على التمييز بين المشاعر الأصيلة التي تنبع من أعماقه، وتلك المشاعر المصطنعة التي تُفرض عليه من الخارج عبر الخوارزميات ومؤثرات الخطاب الرقمي، وبمرور الوقت، يتحول هذا الاغتراب إلى بابٍ خفيٍّ لتبدّل القناعات وتفكك العلاقات، ويقود إلى انهيار منظومة الانتماء القيمي والوطني، حيث يُستبدل الانتماء الحقيقي بشعورٍ زائف بالانخراط في فضاءٍ رقميٍّ بلا جذور ولا مرجعيات، ومن ثم يكمن الخطر في هيمنة الخطاب الرقمي على الوجدان الإنساني، حين يبث داخل النفس قيمًا هجينة تُزيّف الوعي وتُربك الإدراك، فتتبدّل البوصلة الأخلاقية، ويتحوّل الإنسان إلى كائنٍ معلّقٍ بين واقعٍ يبتعد عنه وحقيقةٍ رقمية تُعاد صياغتها له باستمرار، ليصبح غريبًا عن ذاته في عالمٍ يُدار بالمؤثرات.

ولمواجهة هذا الواقع المتسارع، لا بد من إعادة تربية الوعي الإنساني داخل الفضاء الرقمي، فالتحدي لم يعد تقنيًا بقدر ما هو قيمي وإنساني، واصبح من الضروري أن يتحوّل الذكاء العاطفي في عصر التحول الرقمي من مجرد مهارة شخصية إلى قيمة مجتمعية تنظم العلاقة بين الإنسان والتقنية، وتعيد للتفاعل الإنساني معناه وأهميته، ويقتضي ذلك تعليم الأجيال فنّ التمييز بين التعاطف الحقيقي والتعاطف المصطنع، بين الصدق الوجداني والإغراء العاطفي الذي تمارسه المنصات الرقمية، كما يستلزم غرس مفهوم الضبط الوجداني الرقمي بوصفه شكلًا من أشكال النضج الأخلاقي، يعيد للإنسان سيادته على مشاعره، وفي هذا السياق، تقع مسؤولية كبرى على المؤسسات التربوية والإعلامية في أن توظف التقنية لتقوية الروابط الإنسانية وأن تعيد إلى لغة المشاعر صدقها بعيدًا عن الزيف الافتراضي، بحيث يصبح الذكاء العاطفي الرقمي المسؤول أداةً لبناء الوعي وترسيخ القيم، فحين تُسخّر التكنولوجيا لخدمة الإنسان، يمكن للوعي أن يستعيد توازنه وأصالته، ويستعيد الإنسان مكانته كفاعلٍ حرٍّ.

ونؤكد إن العالم الرقمي، بما يقدّمه من فرصٍ غير مسبوقة للتواصل والإبداع، يحمل في طيّاته تحديًا وجوديًا للإنسان المعاصر، يتمثل في قدرته على الحفاظ على أصالته الوجدانية وسط تنامي سلطان الصورة والمعلومة، فالمعركة الحقيقية اليوم بين الوعي واللاوعي والزيف، بين الذكاء الإنساني والخداع الرقمي، إنها معركة على روح الإنسان ذاته، على قدرته في أن يبقى حرًّا في شعوره، أمينًا على مشاعره، صادقًا في تفاعله مع العالم، وإذا كان الذكاء العاطفي هو تاج القيم الإنسانية، فإن الخداع الرقمي هو ظله الزائف الذي يتغذّى على غياب الوعي، ويتسلّل حيث يغيب الإدراك ويُغيب الضمير، خاصة ونحن في وقت تُدار فيه العواطف بالأزرار، وتُقاس الانفعالات بالبيانات، يبقى الوعي القيمي هو الجدار الأخير الذي يحمي إنسانية الإنسان.

 

تم نسخ الرابط