ياسمين عبده تكتب: مصر والغاز الإسرائيلي.. هل استقرار الأرقام يهدد السيادة؟
قبل سنوات قليلة، بدا أن أزمة الطاقة في مصر تقترب من نهايتها. الأرقام الرسمية كانت مطمئنة، والبيانات تتحدث عن اكتفاء ذاتي وتحول البلاد إلى مركز إقليمي لتجارة الغاز. لكن خلف هذا الاستقرار الظاهري، يلوح سؤال أكثر عمقًا: هل أصبح استقرار الأرقام مرهونًا بصفقات لا تخدم مبدأ السيادة الاقتصادية بالكامل؟.
منذ أن بدأت مصر في استيراد الغاز من إسرائيل عام 2020، تغيرت معادلة الطاقة في المنطقة. الاتفاق، الذي وُصف حينها بأنه “تجاري بحت”، تطور تدريجيًا ليصبح جزءًا من شبكة مصالح اقتصادية معقدة تربط القاهرة بتل أبيب وشركات غربية كبرى. هذا الترابط أثار جدلًا داخليًا حول مدى قدرة مصر على الحفاظ على استقلال قرارها في قطاع الغاز، خصوصًا مع تصاعد الضغوط المالية الناتجة عن عجز الحساب الجاري وتزايد الالتزامات بالدين الخارجي.
تبدو الصورة الرسمية مطمئنة، إذ تشير بيانات وزارة البترول إلى أن صادرات الغاز المسال تحقق عائدات تتجاوز سبعة مليارات دولار سنويًا، وأن مصر لا تزال تمتلك بنية تحتية قادرة على المنافسة الإقليمية. لكن التحليل الأعمق يكشف أن جزءًا من هذا الغاز مصدره إسرائيل، وأن القاهرة تقوم بإسالته في محطات إدكو ودمياط وإعادة تصديره إلى أوروبا. عمليًا، تتحول مصر إلى وسيط إقليمي في تجارة الغاز أكثر من كونها منتجًا مستقلًا بالكامل.
هذا الوضع يثير أسئلة جوهرية تتجاوز الاقتصاد إلى السياسة. فحين تعتمد دولة على واردات الطاقة من طرف يرتبط بها بعلاقات حساسة، تصبح معادلة الاستقلال الاقتصادي أكثر هشاشة. بل إن بعض المراكز البحثية الدولية — مثل “تشاتام هاوس” و“كارنيجي” — بدأت تتحدث عن “الاعتماد المتبادل غير المتكافئ” بين مصر وإسرائيل في ملف الغاز، وهو توصيف دقيق لكنه مقلق في الوقت نفسه.
من الناحية الاقتصادية، يمكن القول إن الصفقة ساهمت في تخفيف الضغط على الميزان التجاري وفي جذب استثمارات أجنبية لقطاع الطاقة. لكن من الناحية الاستراتيجية، فإن توسع الاعتماد على الغاز الإسرائيلي يفتح الباب أمام نفوذ سياسي غير مباشر، خاصة في ظل المتغيرات الجيوسياسية الجديدة شرق المتوسط، حيث تتحرك كل دولة وفق مصالحها لا وفق وعودها.
أما على المستوى الشعبي، فما زال الوجدان الجمعي المصري ينظر بعين الريبة إلى أي اتفاق يتجاوز الخطوط الرمزية للسيادة الوطنية. التاريخ القريب علّم المصريين أن “الاعتماد الاقتصادي” قد يكون أكثر خطورة من الهزيمة العسكرية، لأنه يخلق ارتباطًا طويل الأمد يقيّد القرار الوطني دون معركة.
يبقى التحدي الحقيقي أمام صانع القرار في القاهرة هو الموازنة بين الواقعية الاقتصادية والكرامة الوطنية. فالعالم اليوم لا يتعامل بلغة الشعارات، لكنه أيضًا لا يحترم دولة تُدار أرقامها من الخارج. المطلوب ليس القطيعة مع إسرائيل، بل ضمان أن تظل معادلة الطاقة المصرية قائمة على التحكم لا التبعية، والربح لا الارتهان.
إن استقرار الأرقام قد يبدو نجاحًا اقتصاديًا على الورق، لكنه قد يخفي تحت السطور معركة أعمق حول مفهوم السيادة ذاته. والسؤال الذي يجب أن يبقى حاضرًا في كل مفاوضة وكل صفقة هو: هل نحن نبيع الغاز أم نرهن القرار ؟