البابا لاوُن الرابع عشر يشيد بجهود الأزهر في ترسيخ ثقافة الحوار بين الأديان
في لقاء وُصف بالتاريخي والمفعم بالروح الإنسانية، استقبل قداسة البابا لاوُن الرابع عشر، بابا الكنيسة الكاثوليكيَّة، سعادة المستشار محمد عبد السلام، الأمين العام لمجلس حكماء المسلمين، وذلك في القصر البابوي بحاضرة الفاتيكان، وقد جاء اللقاء في وقتٍ بالغ الحساسية على المستوى الدولي، حيث يشهد العالم أزمات متصاعدة وصراعات دامية تهدد الأمن والسلم العالميين.

وخلال المقابلة، أعرب البابا عن تقديره العميق لفضيلة الإمام الأكبر أ.د أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف ورئيس مجلس حكماء المسلمين، مشيدًا بجهوده الرائدة في ترسيخ قيم الحوار والتسامح بين أتباع الديانات المختلفة، وأكد البابا أن العالم بحاجة ماسّة اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى أصوات الحكمة والعقلانية، من أجل وضع حد للحروب والنزاعات التي تطال الشعوب وتدمر مستقبل الأجيال القادمة.
وأشار قداسته إلى أن الحوار بين الأديان ليس خيارًا ترفيهيًا بل ضرورة إنسانية، تعزز فرص التفاهم المشترك وتبني جسور الثقة بين الشعوب، مؤكدًا أن التعاون بين الكنيسة الكاثوليكية والأزهر الشريف يُمثل نموذجًا يُحتذى به في مساعي السلام العالمية.
مجلس حكماء المسلمين يعمل على توحيد صوت القيادات الدينية لوقف الصراعات
من جانبه، أكد المستشار محمد عبد السلام حرص مجلس حكماء المسلمين، بالتعاون الوثيق مع الأزهر الشريف، على مواصلة العمل من أجل توحيد صوت القيادات والعلماء ورجال الأديان في العالم. وأوضح أن المجلس يسعى جاهدًا إلى حشد الجهود وتكثيف التعاون بين المؤسسات الدينية الكبرى من أجل إطلاق مبادرات تدعو إلى وقف الحروب والنزاعات، والتأكيد على أولوية الحوار والسلام.
كما عبّر المستشار عن تقدير مجلس حكماء المسلمين لمواقف البابا لاوُن الرابع عشر، لاسيما دعواته المتكررة والدؤوبة لوقف الحرب الدائرة في غزة، ووقف نزيف الدماء الذي يحصد أرواح الأبرياء دون تمييز. وأضاف أن هذه الدعوات تعكس روح المسؤولية الإنسانية التي يحملها الفاتيكان تجاه قضايا الشعوب، وتجسّد قيم الأخوّة الإنسانية التي نصّ عليها "وثيقة أبوظبي للتسامح".
ولفت المستشار عبد السلام إلى أن التعاون بين الأزهر والفاتيكان ليس وليد اللحظة، بل هو امتداد لمسار طويل من الشراكات التي أثمرت عن مواقف مشتركة في القضايا العالمية، أبرزها الدعوة المستمرة إلى تغليب صوت الحكمة وإرساء ثقافة الحوار كبديل عن لغة السلاح والعنف.

الدعوة إلى تغليب الحكمة وفتح قنوات للحوار العالمي
وشدد المستشار محمد عبد السلام خلال اللقاء على أن العالم اليوم يعيش حالة من الفوضى وعدم الاستقرار، نتيجة تصاعد الصراعات والحروب الإقليمية والدولية. وأكد أن الحل لا يكمن في المواجهات المسلحة، بل في فتح قنوات للحوار البنّاء بين الشعوب والحكومات والقيادات الدينية، بما يعزز الاستقرار والأمن الدولي.
وأشار إلى أن مجلس حكماء المسلمين، برئاسة فضيلة الإمام الأكبر شيخ الأزهر، يعمل بلا كلل على إطلاق مبادرات فكرية وثقافية ودينية تسعى إلى إنهاء أسباب التطرف والكراهية، عبر التعليم والتوعية والمشروعات المشتركة مع المؤسسات الدولية. كما ثمّن الدعم الذي يقدمه الفاتيكان لهذه المبادرات، بما يعكس التقاء الإرادتين الإسلامية والمسيحية على هدف واحد: صناعة السلام العادل والشامل.
وفي هذا السياق، أكد المستشار أن التضامن بين الأزهر والفاتيكان يمثّل رسالة قوية للعالم أجمع بأن الأديان السماوية ترفض العنف والاقتتال، وتدعو دائمًا إلى إعلاء قيم الرحمة والعدل والتعايش المشترك بين البشر.
التعاون بين الأزهر والفاتيكان نموذج عالمي للأخوّة الإنسانية
تناول اللقاء أيضًا أهمية التعاون المشترك بين المؤسسات والقيادات الدينية لمواجهة التحديات الكبرى التي تهدد الإنسانية، مثل الإرهاب والتطرف والتغير المناخي والفقر. وقد شدد الجانبان على ضرورة أن تكون للقيادات الدينية أدوار عملية وملموسة في تعزيز السلام المجتمعي، عبر مبادرات وبرامج يمكن أن تصل إلى القواعد الشعبية حول العالم.
وأكد البابا لاوُن الرابع عشر أن عالم اليوم يحتاج إلى تحالفات جديدة قائمة على الأخلاق والعدالة، بعيدًا عن المصالح الضيقة والسياسات التي تؤجج النزاعات. وأشاد بجهود الأزهر ومجلس حكماء المسلمين في الدفاع عن القضايا الإنسانية والعدالة الاجتماعية، معتبرًا أن هذه الجهود تمثل إضافة مهمة لمسيرة الحوار العالمي بين الثقافات والأديان.
من جانبه، جدّد المستشار محمد عبد السلام التزام مجلس حكماء المسلمين بمواصلة التعاون مع الكنيسة الكاثوليكية، مشيرًا إلى أن الشراكة الروحية والفكرية بين الأزهر والفاتيكان تمثل صمام أمان في مواجهة الأزمات العالمية، وتعد نموذجًا مُلهمًا للدول والمؤسسات الأخرى.
نحو عالم أكثر أمنًا وسلامًا واستقرارًا
واختتم اللقاء بالتأكيد على أن المرحلة الراهنة تستدعي تكاتف الجهود الدولية، ليس فقط بين المؤسسات الدينية، بل أيضًا بين صناع القرار والحكومات ومنظمات المجتمع المدني، من أجل بناء عالم أكثر أمنًا وسلامًا واستقرارًا.

وشدد الطرفان على أن مواجهة التحديات المعقدة التي يمر بها العالم تتطلب رؤية شمولية تقوم على التعاون والتضامن، بعيدًا عن الانقسامات والصراعات. وأكد الجانبان أن رسالة الأديان جميعها واحدة، وهي الدعوة إلى المحبة والرحمة والتعايش.
بهذا اللقاء، وجّه الأزهر والفاتيكان معًا رسالة جديدة إلى الإنسانية مفادها أن الأمل لا يزال قائمًا في تحقيق عالم يسوده السلام والتفاهم المشترك، شرط أن تتكاتف كل القوى المخلصة من أجل نصرة الإنسان والدفاع عن كرامته وحقه في العيش بأمان وحرية.