رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري
الجمهور الإخباري
رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري

محمد دياب يكتب: من معسكرات النازية إلى محرقة غزة

محمد دياب
محمد دياب

لم يشهد التاريخ الحديث مشهدًا أكثر قسوة وبشاعة مما نراه اليوم في غزة: أطفال يتسابقون خلف شاحنات الإغاثة بأوانٍ فارغة، نساء تتدافع وهن يلهثن وراء كسرة خبز، رجال أرهقهم الجوع والحصار، ثم تأتي الطائرات الإسرائيلية لتحصدهم كما يُحصد الزرع اليابس في مجزرة يومية لم يعد العالم يلتفت إليها وكأنها أصبحت مشهدًا عاديًا لا يستحق الغضب أو حتى الاستنكار.

والمفارقة الكبرى أن آلاف الشاحنات المحملة بالغذاء والدواء تقف عاجزة على أبواب المعابر يمنعها الاحتلال من الدخول تاركًا الفلسطينيين فريسة للتجويع والمرض والموت، إنها جريمة مكتملة الأركان لا تقل فظاعة عن أي إبادة عرفتها البشرية بل تفوقها وحشية لأنها تُرتكب تحت سمع وبصر العالم الذي يدّعي التحضر والدفاع عن حقوق الإنسان.

لقد اعتاد الغرب أن يقدّس مأساة اليهود في أوروبا وأن يجلد نفسه ليل نهار بدعوى التقصير في حمايتهم من النازية فأقام لهم النصب التذكارية وأفرد لهم المناهج والبرامج والسينما والكتب ليخلّد مأساتهم، لكن السؤال الذي يفرض نفسه: ماذا لو كانت هذه الجرائم التي تُرتكب الآن في غزة قد ارتُكبت بحق اليهود أنفسهم؟! حينها كان العالم سيقيم الدنيا ولن يقعدها وسيملأ الشوارع بالدموع واللافتات والاعتذارات ولحوّل كل مدينة إلى مناحة كبرى لا تنتهي.

لكن حين يكون الضحايا فلسطينيين يصبح الدم رخيصًا والجوع عاديًا والمجازر مجرد "أضرار جانبية"، هنا تنكشف العورة الحقيقية للعالم الغربي: ازدواجية معايير لا تخطئها عين ونفاق سياسي وأخلاقي يُسقط كل دعاوى الحرية والإنسانية.

ولعل أبلغ ما قيل في هذا السياق ما نُسب إلى هتلر بعد الحرب العالمية الثانية، حين قال: "كان باستطاعتي أن أقتل كل يهود العالم، لكن تركت البعض منهم لتعرفوا لماذا كنت أقتلهم"، وها نحن نرى اليوم المعنى عاريًا بلا رتوش: فإسرائيل تقدم للعالم برهانًا عمليًا على أن من ادّعوا المظلومية تحولوا إلى جلاّدين أبشع من كل من سبقهم، العدوان على غزة مشروع إحلال استيطاني يسعى لمحو شعبها وسرقة أرضها ودفن تاريخها وهويتها.
إسرائيل لم تعد تخفي أهدافها الاستيطانية والاحتلالية لكنها في كل مرة تنجح في تغليف جرائمها بشعارات "السلام" و"التعايش" و"الدفاع عن النفس" بينما الحقيقة أنها كيان قائم على الكراهية متشبع بالحقد لا يعرف معنى التسامح أو الإنسانية.

أما نحن العرب فمصيبتنا أننا ننسى سريعًا،نسامح سريعًا، نفتح الصفحات البيضاء ونتوهم أن العدو سيغفر هو الآخر! بينما هم لا ينسون أبدًا ولا يتوقفون عن الكراهية يومًا، إن مصدر ضعفنا يتجلى في قوة عدونا وغفلتنا وفي انخداعنا بسلام كاذب وتصديقنا للوهم بأن الوحش قد يتحول إلى حمامة سلام.

إن غزة اليوم تصرخ لتستنجد وتفضح في آن واحد، وتقول للعالم: ها هو الجلاد الحقيقي ها هو الوجه القبيح لكيان زرع الموت مكان الحياة وها هي الإنسانية التي يتشدقون بها تسقط أمام دموع طفل جائع لم يجد حتى ما يسد رمقه.

تم نسخ الرابط