محمد كامل الباز يكتب: ملك الأڤورة
ذكرنا قبل ذلك في مقال فني كلامًا عن التريند، وما هو، وكيفية انتشاره، اليوم نتكلم عن موضة أو تريند آخر ظهر علينا، طفا على سطح الآراء والأفكار، أحمد عبد العزيز ملك الأڤورة!
الفنان أحمد عبد العزيز من أفضل الفنانين في مصر والوطن العربي في مرحلة التسعينات وأوائل الألفينات، بل إن شئت فقل: هو فارس الدراما الأول في تلك المرحلة بلا استثناء.
مرحلة لم يكن التنافس فيها بالإنتاج والإبهار التقني قدر ما كان التنافس بالأداء والقيم الفنية.
نعم، كان للدراما هدف، وكانت الأعمال لها قصة مكتملة الأركان، لم نكن نشاهد إسفافًا أو خروجًا عن النص، لم تتحول المسلسلات لمحاكاة لصفحة الحوادث، كما يحدث الآن نتيجة الفلس الفكري والأدبي، كنا نشاهد روايات من وحي الدراما، أقل ما يُقال عنها إنها ممتعة.
كان أحمد عبد العزيز أحد أركان تلك الدراما، بمجرد أن تسمع اسمه على تتر عمل، فهي دعاية إيجابية واضحة أن هناك عملًا جيدًا يستحق المشاهدة، أعمال رائعة ساهمت في رقي الدراما في تلك الفترة، بل أرى أن الكثير منها لن يُمحى بمرور الوقت.
هل من الممكن أن ننسى "الوسية" أو "المال والبنون"؟.
هل من المعقول أن تذكر دراما التسعينات بدون "ذئاب الجبل" أو "الفرسان"؟.
دراما عالية المستوى، وجبات في غاية الذوق والرقي، يخرج منها المشاهد دون الحاجة لهضم، فهي كانت مركزة وموضوعية.
حتى في أواخر هذا العقد، قدّم لنا مسلسلًا خفيفًا في ظاهره، ولكن مناقشته لقضية الهجرة وبحث الشباب عن الرزق في أوروبا وكأنها الحل الوحيد، كان طرحًا عبقريًا في "ومن الذي لا يحب فاطمة"، وبعدها في الألفينات عاد لنا فارس الدراما بـ(البحار مندي – سوق العصر – ينابيع العشق)، مسلسلات تُعتبر علامة في تاريخ الدراما، لا تمل من مشاهدتها أكثر من مرة.
لكن بعد كل هذا يظهر التريند...
نعم، من جديد يأتي هذا التريند ليعكّر صفونا.
تأتي الصفحات الغريبة والمواقع العجيبة التي لا أعلم من أين هبطت علينا، لتقذفنا بكل ما هو غريب وعجيب: أحمد عبد العزيز ملك الأڤورة!
وتبدأ بعرض مشاهد في التسعينات، وتقارنها بإيقاع الحياة في الألفينات، وتركز على كل حركة ونظرة لأحمد، وربما حتى لون ياقة القميص! هل متوافق مع الحذاء أم لا؟.
أحمد عبد العزيز، الذي تم اكتشافه كنجم سينما مع المخرج العالمي يوسف شاهين في "وداعًا بونابرت"... أصبح ملك الأڤورة!
تحول الكثير إلى نقاد من خلال منصات التواصل الاجتماعي، حيث الواحد منهم لا يعرف ولم يدرس شيئًا عن التمثيل أو الدراما، يجلس ليكتب "بوست" ليقيّم هذا وذاك، كل علاقته بالفن: المشاهدة والفيسبوك، "يفتي" هنا و"يهبد" هناك:
(فلان ما بيعرفش يمثل)،
(علان أي ممثل بيسرق الكاميرا منه)... وهكذا!
وهو لا يعرف شيئًا، ويؤثر على عمل ومجهود الخلق، وهو يجلس ليجمع مشاهدات.
بل يبدو وكأنه يفهم أكثر من المتخصصين الذين تعاملوا معه.
أحد تلك المواقع كانت تتناول مشهدًا في "سوق العصر" لأحمد عبد العزيز مع أخيه حينذاك أحمد سعيد عبد الغني، وهو بالطبع يسخر كعادته.
نجد التعليقات تهاجم صاحب الموقع نفسه: (المسلسل يبدو جيدًا، والمشهد معبّر، والموسيقى رائعة، كلامك مش صح، إيه الداعي للسخرية في المشهد الحلو ده؟) ، بل زاد أحدهم: (مين الفنان ده؟ واسم المسلسل لو سمحت!)
تحولت الصفحة من موقع للهجوم إلى دعاية للمسلسل!!
الفن الراقي يفرض نفسه دائمًا، الفن الحقيقي دائمًا يقف ليزيل غبار الكذب والبهتان، الورق الجيد والدراما المتميزة دائمًا تعيش أطول، النص المكتوب روائيًا صح، يخاطب وجدان المشاهد ويعيش أطول، مهما تكلمت المواقع وأفتى غير المتخصصين.
لو قارنت علامات الدراما بالمسلسلات التي تكلفت ملايين الدولارات الآن، لكانت المقارنة من الأساس ظالمة.
لو عرضت "البخيل وأنا" و"لن أعيش في جلباب أبي" و"المال والبنون" و"الوسية"، مقارنةً بأكثر المسلسلات تحقيقًا للمشاهدات الآن، ستكون الغلبة للفن الأصيل، الذي ما زلنا نشاهده ونحترمه بعد أكثر من ثلاثين عامًا.
أما مسلسلات التريند واللحظة، فهي مجرد صفحة تُقرأ وتُقلَب، لن يتذكرها أحد.
من هنا أحب أن أوجه التحية لفارس الدراما المصرية على أدائه، وعلى مجمل أعماله على مدار أكثر من أربعين عامًا، سواء بدايةً في السينما حيث تألق في "الطوق والإسورة"، "عودة مواطن"، "وداعًا بونابرت"، أو أعماله وإبداعاته التي ذكرناها في الدراما.
أرجو منه ألا يلتفت لهؤلاء الغوغاء، فإن كان التمثيل وتقمّص الدور فنًا وعلمًا يُدرّس، فوصف هذا الفن وتقييمه هو أيضًا فن يجب أن يُدرّس.