بجوار مقر جهاز الأمن الفيدرالي.. كيف كسرت «كييف» هيبة القيصر الروسي؟
بعد 3 سنواتٍ و3 أشهرٍ و6 أيامٍ، عمر الحرب الروسية الأوكرانية والتي بدأت في 24 فبراير عام 2022، استطاعت كييف اختراق المجال الجوي لموسكو وتنفيذ أكبر عملية عسكرية ضد روسيا، والتي تعد الأكثر تعقيدًا وتخطيطًا متقنًا وفعالية، من حيث التكلفة في حربها الحالية مع روسيا، بالاعتماد على مواردها الخاصة، وهو ما يمكن أن يكون تحذيرًا من أوكرانيا للقوات العسكرية الأخرى في العالم، بحسب "ذا أتلانتيك" الأمريكية.
هاجمت أوكرانيا أربعة مطارات روسية على الأقل، عن طريق الطائرات المسيرة في وقت واحد تقريبًا، وشمل الهجوم قاعدة بيلايا في إيركوتسك، على بُعد حوالي 4500 كيلومتر من حدود أوكرانيا مع روسيا، وقاعدة دياجيليفو في ريازان غرب روسيا، على بُعد حوالي 520 كيلومتراً من أوكرانيا، وهي مركز تدريب لقوة القاذفات الاستراتيجية الروسية.
كما قصفت أيضاً قاعدة أولينيا بالقرب من مورمانسك في الدائرة القطبية الشمالية، على بُعد أكثر من 2000 كيلومتر من أوكرانيا، بالإضافة إلى قاعدة إيفانوفو الجوية، على بُعد أكثر من 800 كيلومتر من أوكرانيا. وتُعدّ إيفانوفو قاعدة لطائرات النقل العسكرية الروسية.
وأظهر الهجوم الذي شنّته كييف هشاشة الطائرات الكبيرة باهظة الثمن وغيرها من المعدات التي تُقدّرها القوى العظمى حول العالم، بعدما أصيبت الطائرات الروسية بدقة ملحوظة في أكثر نقاط ضعفها، مستخدمين الذكاء الاصطناعي، ووفقًا لتصريحات مسؤولين أوكرانيين فإن بعض الطائرات المسيرة كانت مُدربة بشكل أساسي على الذكاء الاصطناعي للتعرف على الأجزاء الأكثر ضعفًا في الطائرات الروسية، والتوجه تلقائيًا نحو تلك المناطق.

ووضع الأوكرانيون أسرابًا صغيرة نسبيًا من الطائرات بدون طيار في تجاويف مدمجة في الجزء العلوي من شاحنات مقطورة، عندما اقتربت الشاحنات من الأهداف، انفتحت أسقف المقطورات، وحلقت أسراب الطائرات المسيرة، مُفاجئةً الدفاعات الروسية ومُدمرةً إياها.
7 مليارات دولار تكلفة خسائر الهجوم على روسيا
قُدِّرت تكلفة إحدى الطائرات الأوكرانية المُسيَّرة المُستخدمة في الهجوم بحوالي 1200 دولار أمريكي، وأشارت الاستخبارات الأوكرانية، إلى أن التكلفة التقديرية لخسائر الطيران الاستراتيجي لروسيا إثر ضربة الليلة الماضية 7 مليارات دولار، مؤكدة أن قواتها نفّذت عملية خاصة باسم «شبكة العنكبوت» استهدفت الطيران الاستراتيجي الروسي، بحسب تعبيرها.
من جانبها، قالت وزارة الدفاع الروسية إن منظومات الدفاع الجوي دمرت واعترضت 33 طائرة بدون طيار أوكرانية: 27 فوق منطقة كورسك، و4 فوق منطقة بيلجورود، و2 فوق منطقة ليبيتسك.
واعترفت أن كييف نفذت هجومًا «إرهابيًا» باستخدام طائرات مسيّرة استهدف مطارات في مقاطعات مورمانسك وإيركوتسك وإيفانوفو وريازان وأمور"، وهو ما يؤكد ما جاء في تقرير CNN سالف الذكر.
وأكدت وزارة الدفاع الروسية أنها صدت بنجاح جميع الهجمات الإرهابية التي شنها نظام كييف على المطارات العسكرية في مقاطعات إيفانوفو وريازان وأمور.

ويُمثل الهجوم الأوكراني ذروة ما شهدناه منذ شنت روسيا هجموها الشامل عام 2022، إذ يبدو أن الجيش الروسي الأكبر حجمًا يتفوق على أوكرانيا، فلجأت إلى استخدام الطائرات بدون طيار وغيرها من المعدات البدائية لتدمير الدبابات والسفن الحربية الكبيرة والقاذفات وغيرها من الأنظمة القديمة الضخمة.
وقد تباطأ المخططون العسكريون والعديد من المعلقين الخارجيين في إدراك أهمية التكتيكات الدفاعية الأوكرانية، لكن الهجمات الأخيرة تُظهر بوضوح الحاجة إلى تغييرات جذرية في كيفية بناء وتدريب جميع الجيوش.
تأرجح ميزان القوى بين روسيا وأوكرانيا
منذ بدء الحرب الروسية الأوكرانية في فبراير 2022، تتأرجح كفتا الميزان العسكري بين طرفي الصراع، بضربات مباغتة ساعية إلى إحداث أثر على الأرض بكسب مساحة من الأرض أو حتى نفسي ودعائي، يمهد لها الطريق إلى نصر صعب المنال.
ودفعت كييف ثمنًا باهظًا من أراضيها، التي لم تستطع أن تستعيدها حتى مع الدعم الغربي، لكن موسكو في الوقت نفسه لم تكن لها اليد العليا على طول الخط، فقد واجهت استهداف الكرملين بالمُسيرات وتمرد قائد فاجنر، وإغراق سفن البحرية في ميناء إلى جانب تعرضها لهجمات واسعة النطاق في العمق الروسي، وفي مواجهة نقص حاد في ذخائر الدفاع الجوي «باتريوت»، اختار الأوكرانيون بديلًا أكثر جرأة، وهو تدمير القاذفات الروسية وهي جاثمة على المدرجات بدلًا من محاولة اعتراض صواريخها في الجو.
واستطاعت كييف عن طريق «شبكة العنكبوت» من تحقيق انتصار نوعي في واحدة من أهم العمليات خلال الحرب الدائرة مع روسيا، وتوجيه ضربة كبيرة لأهم القدرات التي تمتلكها أكبر الجيوش، والتي يطلق عليها اسم «القاذفات الاستراتيجية»، مستهدفة 4 مطارات روسية عبر 117 طائرة درون متطورة وتدمير 41 قاذفة استراتيجية روسية، واقتربت الخسائر من 7 مليارات دولار-بحسب تقديرات الجيش الأوكراني.

إذ أصابت الضربات الجوية عشر طائرات عسكرية روسية، من بينها ثماني قاذفات استراتيجية من طراز Tu-95، وقاذفة Tu-22، وطائرة إنذار مبكر من طراز A-50، وتقلب الهجوم مفاهيم التفوق الجوي التقليدي، إذ تشير التقديرات إلى أن طائرات مسيّرة بكلفة عشرات الآلاف من الدولارات فقط ألحقت أضرارًا بمعدات قد تصل قيمتها إلى ملياري دولار.
شبكة العنكبوت الأوكرانية
وكشفت التقراير الأولية إلى أن الهجوم أسفر عن تدمير حوالي ثلث أسطول القاذفات الاستراتيجية الروسية، التي «تضررت أو دمرت» في هجوم الأحد، من بينها قاذفات استراتيجية قادرة على حمل صواريخ نووية، فيما تقول موسكو إن الهجوم تسبّب في اشتعال نيران في عدد من الطائرات في قاعدتين بإقليم إيركوتسك في سيبيريا ومقاطعة مورمانسك في الشمال، وأكّدت أن الحرائق أُخمدت.
ويعد اخترق الأوكرانيون عمق الأراضي المعادية تغير فى تكتيك الحرب، حيث وجهوا ضربة مفاجئة أربكت القوات الروسية، وأثبتت أن التفوق لا يُقاس بعدد الطائرات، بل بمرونة التكتيك وجرأة التنفيذ، كما وصف الرئيس فولوديمير زيلينسكي الهجوم بأنه «نتيجة رائعة بكل معنى الكلمة»، مؤكدًا أنه كان حصيلة عام ونصف العام من التخطيط والتنفيذ الدقيق، ويقول زيلينسكي: «لقد لعبنا ورقتنا الرابحة وهي الإبداع الأوكراني»
وقال زيلينسكي إن عملية «شبكة العنكبوت» تم تنفيذها انطلاقاً من مكتب بجوار مقر جهاز الأمن الفيدرالي الروسي (FSB)، وأنه تم استخدام 117 طائرة مُسيّرة في العملية، وتضمنت العملية تهريب عشرات الطائرات المسيّرة الصغيرة من نوع FPV، والتي تبث مجال رؤيتها للمشغِّل في الوقت الفعلي، ما يتيح له التحكم بها كما لو كان على متنها، وتم تهريب هذه المسيرات إلى الداخل الروسي، بعد تزويدها بمتفجرات، وفي وقت لاحق، خُبئت المسيرات داخل بيوت خشبية كانت تجرها شاحنات.
ووفقًا لمصدر أمني أوكراني لوكالة «أسوشيتد برس»، قال إن هذه الشاحنات انتقلت إلى مواقعها قبل أن يتم فتح الأسطح عن بعد، وتوجيه الطائرات لضرب الأهداف الروسية، وأظهرت لقطات تم تداولها على منصات التواصل الاجتماعي، الطائرات المسيرة وهي تنطلق، بينما كانت بعض الألواح ملقاة على الأرض، فيما يحاول بعض الأشخاص إيقاف الطائرات المسيرة ومنعها من الطيران.
واستهدفت عملية «شبكة العنكبوت» منطقة إيركوتسك، التي تبعد أكثر من 4300 كيلومتر عن أوكرانيا، وهو أول هجوم من نوعه حتى الآن في منطقة على هذه المسافة التي تتجاوز مدى الطائرات المسيرة الهجومية بعيدة المدى، أو الصواريخ الباليستية، ولهذا كان على كييف تقريب الطائرات المسيرة بما يكفي من الهدف.


