بين الانسحاب الأمريكي والتوسع الصيني.. من يحكم المؤسسات الدولية؟
في لحظة فارقة من التحولات الجيوسياسية، وبينما تنسحب الولايات المتحدة من مؤسسات الحكم العالمي واحدة تلو الأخرى، تسارع الصين لملء هذا الفراغ بيد من حديد وأخرى من حرير.
وتعهدت بكين بتقديم 500 مليون دولار لمنظمة الصحة العالمية ليس مجرد دعم مالي، بل هو خطوة استراتيجية تعيد تشكيل موازين القوى العالمية، وتضع الصين على رأس القوى المؤثرة في النظام الصحي والدولي.
الصين تدخل بثقلها في ساحة الصحة العالمية
وعلى إثر ذلك، أعلن نائب رئيس الوزراء الصيني، ليو قوه تشونج، عن تعهد بلاده بتقديم نصف مليار دولار لمنظمة الصحة العالمية خلال كلمته في جمعية الصحة العالمية بجنيف.
هذا الدعم، كما قال، يأتي "ردًا على السياسات الأحادية"، في إشارة واضحة إلى انسحاب الولايات المتحدة من المنظمة خلال إدارة الرئيس دونالد ترامب، مؤكدًا أن "العالم يواجه تحديات صحية كبرى بسبب سياسات القوة والأحادية، وأن الصين تؤمن بأن التضامن هو السبيل لبناء عالم صحي".
أمريكا تنسحب والصين تتقدم
بينما وصف وزير الصحة الأمريكي آنذاك، روبرت كينيدي الابن، منظمة الصحة العالمية بأنها "جثة بيروقراطية"، كانت بكين تتحرك بهدوء ولكن بثبات لتعزيز نفوذها داخل المنظمة، مستفيدة من الانسحاب الأمريكي الذي فتح الباب واسعًا أمامها.
بحسب تقرير نيويورك تايمز، فإن التعهد الصيني يعتبر رسالة قوية مفادها أن بكين تسعى لأن تكون "البديل المسؤول" لواشنطن في قيادة المؤسسات الدولية، في وقت تشهد فيه هذه المؤسسات ارتباكًا بفعل الانقسامات العالمية.
كيف تحوّل الصين التحديات إلى أدوات نفوذ؟
ومن جانبه، يرى الباحث في العلاقات الدولية بجامعة فودان، تشاو مينج هاو، أن الانسحاب الأمريكي منح الصين "فرصة ذهبية لتعزيز دبلوماسيتها"، لا سيما داخل أروقة الأمم المتحدة، حيث تُعد الصين اليوم أكبر مساهم في قوات حفظ السلام بين الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن.
كما أعلن وزير الدفاع الصيني، دونج جون، خلال زيارته الأخيرة لأوروبا، عن نية بلاده زيادة مساهماتها في عمليات حفظ السلام، في خطوة تعكس سعي الصين لتوسيع دورها الدولي وتقديم نفسها كقوة داعمة للاستقرار.

استراتيجيات الصين الجديدة
تحركات بكين لا تقتصر على الصحة، بل تمتد إلى ملفات البيئة والطاقة، حيث تواصل الصين تعزيز التزامها باتفاق باريس للمناخ، على عكس الولايات المتحدة التي انسحبت منه. وفي الوقت الذي توسع فيه الصين استثماراتها في الطاقة النظيفة والسيارات الكهربائية، أصبحت تهيمن على أكثر من 60% من الإنتاج العالمي في هذه المجالات، بحسب "نيويورك تايمز".
تايوان خارج اللعبة
إلى جانب دعمها المالي، تستخدم الصين نفوذها داخل المؤسسات الدولية في عزل تايوان دبلوماسيًا، حيث تم استبعاد تايوان من حضور جمعية الصحة العالمية للسنة التاسعة على التوالي، نتيجة ضغوط صينية مباشرة.
وأكدت وزارة الخارجية الصينية أن "منطقة تايوان، بصفتها جزءًا من الصين، لا تملك أي أساس قانوني أو حق للمشاركة في جمعية الصحة العالمية دون موافقة الحكومة المركزية".