ياسمين عبده تكتب.. حرب العقول
كيف تتشكل عقولنا دون أن ندري؟
فيه حاجات بتدخل دماغك من غير استئذان.. جمل صغيرة، صور متكررة، نبرة صوت وراها نية. ممكن تبقى قاعد قدام موبايلك، فنجان القهوة في إيدك، وانت مش واخد بالك إنك في اللحظة دي مش بتتفرج… إنت بتتشكّل.
البرمجة اللغوية العصبية، الاسم لوحده تقيل، كأنه طالع من فيلم خيال علمي، بس الحقيقة إنها حوالينا كل يوم… وبتتعمل علينا كل يوم.
المفروض إنها طريقة لفهم العقل، لتغيير الإدراك، لتعديل السلوك، للمساعدة، كانت مصمّمة علشان تساعد البني آدم يخرج من متاهة أفكاره السامة، يشوف الحياة بنور جديد، يتصالح مع نفسه، كانت طوق نجاة للناس اللي اتكسرت، اللي اتوجعت، اللي حست إن عقلها بيخونها.
لكن زي أي طوق نجاة، ممكن يتحول لحبل يربطك، يشدك، يغرقك.
النهاردة، البرمجة بقت أداة في إيد اللي عايز يتحكم، إزاي؟ بالهدوء، بالمنطق، بالكلام المرتّب اللي يخش جواك زي السكينة في الزبدة، مفيش خناق، مفيش إجبار، بس فيه توجيه ناعم، قاتل.
الإعلام بيستخدمها، الحملات السياسية بتعتمد عليها، المؤثرين على السوشيال ميديا حافظينها أكتر من اسم أمهم، بيحطولك أفكار في جمل بسيطة، متصاغة بعناية، كأنها ما تقاومهاش، تضحك، تتعاطف، تتحمّس، تبكي، وكل دا وإنت فاكر إنك بتتفاعل بإرادتك، بس في الحقيقة؟ الإرادة مش دايمًا بتبقى بتاعتك.
عارف لما حد يقولك: “افتح عقلك”؟ ساعات الجملة دي بتبقى فخ، لأنهم بيطلبوا منك تفتح، بس ما يقولوش مين اللي هيخش، ولا هيعمل إيه بعد ما يدخل.
المجتمع بيتبرمج، جيل كامل بيتشكّل بلغة موجهة، بخطاب متكرر، بفكرة واحدة بتتغذى كل يوم بكلمة، بصوت، بلحن، وفجأة، بتكتشف إن في حاجة اتغيرت جواك، إن في رأي ماكنتش مقتنع بيه، بقيت مؤمن بيه، في شخص كنت شايفه عادي، بقيت بتكرهه. في حاجة كنت بترفضها، بقيت بتدافع عنها.
مش لأنك غيرت رأيك، بس لأن رأيك اتغير، وانت سايب نفسك.
البرمجة اللغوية العصبية مش عدو، لكنها قوة، والقوة، زى النار، تنورلك الطريق، أو تحرقلك حياتك.
افهم، اسأل، راجع، ناقش، لأن في زمن البرمجة، الوعي بقى هو طوق النجاة الحقيقي، كل ما تسمع صوت بيقولك تعمل إيه، اسأل نفسك: “هو عايز مني إيه؟ وليه؟”.
العقل مش أرض فاضية، إما تزرع فيه بإيدك، أو حد تاني هيزرعلك اللي هو عايزه.
