رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري
الجمهور الإخباري
رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري

نتفليكس.. أعمال مثيرة للجدل واتهامات بتشويه التاريخ

تأثير نتفليكس على
تأثير نتفليكس على الهوية العربية

خلال سنوات قليلة، تمكنت منصة «نتفليكس» الأمريكية من فرض سيطرتها على العالم الرقمي، مستقطبة مئات الملايين من المشتركين حول العالم، بفضل محتواها المتنوع القائم على عرض الأفلام والمسلسلات دون فواصل إعلانية.

وقد أعلنت الشركة، يوم الخميس 17 أبريل 2025، عن نتائج أعمالها للربع الأول من العام، محققة أرباحاً وإيرادات فاقت التوقعات، حيث بلغ صافي دخلها 2.89 مليار دولار، مقارنة بـ 2.33 مليار دولار خلال الفترة ذاتها من العام السابق.

ومع التوسع المتسارع لـ «نتفليكس» في المنطقة العربية، تصاعدت المخاوف بشأن التأثيرات السلبية للمحتوى المعروض على المنصة، لا سيما فيما يخص الهوية الثقافية والقيم الأخلاقية لدى الأجيال الشابة.

انتقادات متصاعدة لمحتوى يتعارض مع القيم العربية

تواجه «نتفليكس» انتقادات لاذعة في الأوساط العربية، على خلفية ما يُعتبر ترويجاً لمفاهيم تتعارض مع القيم الدينية والاجتماعية، مثل المثلية والعنف، والتي تُقدَّم ضمن سياقات درامية جذابة تستهدف المراهقين تحديدًا. وقد أكدت عدة تقارير ودراسات أن معظم محتوى المنصة موجه نحو هذه الغايات.

وفي هذا السياق، قدمت الدكتورة داليا عثمان، الأستاذة بكلية الإعلام في جامعة القاهرة، دراسة بعنوان: «تأثير مشاهدة المسلسلات المقدمة على منصة نتفليكس على النسق القيمي للمراهقين». 

الدراسة اعتمدت، على نظرية «التعلم الاجتماعي» لعالم النفس ألبرت باندورا، لما لها من ارتباط مباشر بتأثير الإعلام على تشكيل المعارف والقيم والسلوكيات لدى الأفراد.

شملت الدراسة عينة من المراهقين في الفئة العمرية من 13 إلى 17 عامًا،  أي في مرحلتي المراهقة المبكرة (12-14 سنة) والمتوسطة (15-17 سنة). وقد خلصت إلى عدة نتائج جوهرية، أبرزها أن أغلب المسلسلات المعروضة على نتفليكس تحتوي على محتوى جنسي مفرط لا يتناسب مع الفئة العمرية المستهدفة، حيث تُعرض مشاهد عديدة من هذا النوع تحت تصنيف «مناسب للمراهقين»، ما يجعلها أكثر جذباً ويؤثر على مفاهيمهم القيمية في مرحلة نمو حرج.


كما تبين أن المنصة تقدم العنف والجريمة بشكل جذاب للمراهقين، حيث أشار بعض المشاركين في الدراسة إلى أنهم تعلموا من خلالها أساليب القتل والتهرب من العقوبة بذكاء.

وتبين أيضًا أن القيم الإيجابية في محتوى نتفليكس محدودة جداً مقارنة بالقيم السلبية، والتي أقر معظم المراهقين المشاركين بأنها تُقدَّم تحت شعار «الحرية الشخصية» وقبول الآخر. ورغم عدم تبنيهم لهذه القيم صراحة، إلا أن مجرد قبولها يشير إلى خطر كامِن في احتمال المحاكاة أو التقبل التدريجي لها.

وأوصت الدراسة بضرورة تعزيز الدور الرقابي للآباء، الذين غيّبهم الانشغال بأعباء الحياة عن متابعة أبنائهم ومحتوى المنصات الرقمية، مؤكدة أهمية التربية الإعلامية للأسرة في مواجهة هذا السيل من القيم الدخيلة.

أعمال مثيرة للجدل واتهامات بتشويه التاريخ

تسببت أعمال مثل «مدرسة الروابي للبنات» و«أصحاب ولا أعز» في موجة غضب عارمة داخل المجتمعات العربية، لما تضمنته من انتهاكات صريحة للثوابت الأخلاقية، ما دفع دولاً مثل السعودية ومصر إلى مطالبة نتفليكس بحذف المحتويات المخالفة.

ولم يتوقف تأثير المنصة عند القيم الاجتماعية، بل امتد إلى التاريخ، كما في وثائقي «كليوباترا»، الذي أثار جدلًا واسعًا بتقديم الملكة المصرية – ذات الأصول اليونانية – كامرأة سوداء، مستندًا إلى مزاعم حركة «الأفروسنتريزم»، التي تعيد نسب الحضارة المصرية إلى أصول أفريقية سوداء، في تجاهل صارخ للحقائق التاريخية.

وقد صرحت إحدى المشاركات في الوثائقي: «أتذكر أن جدتي قالت لي: لا يهمني ما قالوه لكِ في المدرسة، كليوباترا كانت سوداء». هذا التزييف أثار استياء واسعاً في مصر، حيث وقع 75 ألف مواطن على عريضة احتجاجية ضد العمل، قامت نتفليكس بحذفها لاحقًا.

شراهة المشاهدة وآثار نفسية وسلوكية مقلقة

أظهرت دراسة أعدتها جامعة شمال تكساس في نوفمبر 2017 بعنوان: «شراهة مشاهدة طلاب الجامعات: الدوافع والنتائج»، أن خدمات بث الفيديو مثل «نتفليكس» و«أمازون فيديو» غيّرت أنماط المشاهدة لدى الجمهور، حيث بات بإمكان المستخدمين مشاهدة حلقات متتالية في وقت قصير، ما أدى إلى ظاهرة «الشراهة في المشاهدة».

وأشارت الدراسة إلى أن عوامل مثل التفاعل الاجتماعي، الهروب من الواقع، وسهولة الوصول إلى المحتوى، تدفع طلاب الجامعات إلى استهلاك المزيد من الوقت في المشاهدة. وإذا شعر المستخدمون بالإشباع النفسي عقب المشاهدة، فإنهم يميلون لتكرار التجربة. 

وربطت الدراسة بين هذه الظاهرة ومخاطر نفسية مثل الاكتئاب. وفي دراسة أجريت على عينة من 260 فرداً من سكان أبو ظبي، تم التوصل إلى وجود علاقة إيجابية قوية بين شراهة المشاهدة والإصابة بالاكتئاب والعزلة الاجتماعية.

كما خلصت دراسة أخرى عام 2018 بعنوان: «وسائل الاتصال الرقمية: أدوات للعولمة في خلق الشعور بالاغتراب النفسي»، إلى أن الاستخدام المفرط لهذه الوسائل والتعرض الكثيف للثقافة الغربية قد يؤديان إلى الانبهار بتلك الثقافة، والشعور بعدم الرضا عن الواقع المحلي، ومن ثمّ الانسلاخ عن الهوية الوطنية والانتماء المجتمعي، مما يسبب اضطرابات نفسية وسلوكية قد تصل إلى الاكتئاب والانطواء.

دعوات للرقابة وتعزيز الإنتاج العربي

في مواجهة هذه التحديات، بدأت دول مثل السعودية والإمارات ومصر باتخاذ خطوات لإلزام «نتفليكس» باحترام القيم الثقافية والدينية المحلية، فيما دعا خبراء إلى ضرورة تفعيل الرقابة الأسرية، وتعزيز إنتاج محتوى عربي هادف قادر على المنافسة، مع تكثيف التوعية بمخاطر الغزو الثقافي عبر برامج تعليمية وتثقيفية متخصصة.

الترفيه المكلف ثقافيًا

رغم الأرباح القياسية التي تحققها «نتفليكس»، إلا أن التكلفة الثقافية والاجتماعية التي تدفعها المجتمعات العربية باهظة. فبينما تقدم المنصة منتجات ترفيهية مغرية، فإنها في المقابل تروّج لقيم دخيلة وتشوهات تاريخية، ما يجعل الحاجة إلى تحرك عربي موحد ضرورة حتمية لحماية الهوية، قبل أن تتحول هذه المنصة من أداة ترفيه إلى وسيلة ممنهجة لغسل الأدمغة وتغيير المفاهيم.

تم نسخ الرابط