شهادات وذكريات يرويها مصطفى بكري لـ«الجمهور».. لحظات الخطر مع الفنان أحمد زكي
- في ساعة المرض كان رابط الجأش وسعيد بحب الناس
- طالبني أنا ومحمود موسي بالتكتم علي حالته الصحية حتى نهاية العلاج
- سافر إلي باريس وعندما عاد شعر بدنو الأجل
- كان يقول بقاوم خلايا السرطان كما قاومنا العدوان في حرب اكتوبر
- لم يسعفه القدر لاستكمال فيلم حليم فحل نجله هيثم مكانه
هذه ليست قصة حياة، بل شهادة حية على مرحلة تاريخية مهمة، عشت فصولها، انتصاراتها وانكساراتها، حلوها ومرها، اقتربت من صناع هذه الأحداث أحيانًا، وكنت ضحية لعنفوانهم في أحيان أخرى، معارك عديدة دخلتها، بعضها أودي بي إلى السجون، لم أنكسر، ولم أتراجع عن ثوابتي، وقناعاتي.
أروى هذه الشهادات التي ينشرها موقع "الجمهور" بصدق وموضوعية، بعض شهودها أحياء، والبعض رحل إلى الدار الآخرة، لكن التاريخ ووقائعه لا تنسى، ولا يمكن القفز عليها، وتزوير أحداثها.
في هذه الحلقات التي ينشرها موقع "الجمهور" يوم "الجمعة" من كل أسبوع، يروي الكاتب والبرلماني مصطفى بكري شهادته عن أزمات وأحداث كان شاهدًا عليها، خلال فترات حكم الرئيس السادات والرئيس مبارك والمشير طنطاوي ومرسي والرئيس السيسي.
مع الفنان أحمد زكى
جمعتنى صداقة ممتدة بالفنان الكبير أحمد زكى، التقينا كثيرًا، تحادثنا، تحاورنا، كان أحمد واعيًا بالمخاطر التى تحيط بالبلاد، وكان إنسانًا بمعنى الكلمة، ورجلاً يعرف للصداقة حقها، خدوم بطبعه، ابن بلد بمعنى الكلمة..
جاء إلى زياتى فى صحيفة (الأسبوع) بوسط البلد أكثر من مرة، كان يقول لى: أنا باشترى الأسبوع مساء الأحد وأسهر عليها وكان يعجبنى فيها خطها الوطنى.
فى شهر مايو عام 2004 حدثنى الزميل الصحفى محمود موسى أحد أصدقاء الفنان أحمد زكى المقربين إليه، كان صوته يعج بالحزن، قالى لى: أحمد زكى فى مستشفى دار الفؤاد.. قلت له: ماذا حدث؟!
قال: هو لا يريد أحد فى الدنيا أن يعرف بمرضه، وأنا أبلغك بناء على طلبه، وقد طلب من إدارة المستشفى أن تتكتم خبر مرضه، وكان أحمد زكى يشتكى من التهاب رئوى حاد، كان قد أصيب به، وخضع على أثره للعلاج فى منزله، لكن التحاليل جاءت لتثبت شيئًا آخر صادمًا ولم يكن متوقعًا، وهو إصابة الرئة بالسرطان.

على الفور تم نقله إلى مستشفى دار الفؤاد بالقاهرة، تم إجراء عملية بذل للمياه على رئتيه، وقرر الأطباء ضرورة أن يستكمل علاجه فى فرنسا وتحديدًا فى معهد (جوستان روسيه).
بعد انتهاء حديثى مع محمود موسى، اتصلت على الفور بالسيد فاروق حسنى وزير الثقافة، فوجئ بالخبر، قام بتأجيل تسجيلاً تليفزيونيًا كان سيجربه فى هذا الوقت، وبدأ يجرى اتصالاته برئيس الوزراء وكبار المسئولين، ففوجئ بأن رئيس الوزراء كان يحضر المؤتمر الصحفى الذى كان يعقد بين الرئيس مبارك والرئيس الصينى فى هذا الوقت.
كنت أتابع الاتصالات مع وزير الثقافة أولاً بأول، وكنت أيضا أبلغ الزميل محمود موسى بالتفاصيل حتى يطمئن قلبه، ولأن الأمر كان مستعجلاً قام وزير الثقافة بالاتصال بالدكتور صفوت النحاس أمين عام مجلس الوزراء وأبلغه بتفاصيل الموضوع، ثم تحدث مع رئيس الوزراء فى وقت لاحق والذى أبلغ بدوره الرئيس مبارك، والذى قام على الفور بالاتصال بالفنان أحمد زكى وهو على سرير المرض.
فاروق حسنى وزير الثقافة" width="1200" height="799">فاروق حسنى وزير الثقافة">صفوت الشريف وزير الإعلام
وتحدثت أيضًا مع السيد صفوت الشريف وزير الإعلام الذى تحدث مع الفنان أحمد زكى وأبلغنى أنه سيرسل بالأستاذ عبدالرحمن حافظ رئيس اتحاد الإذاعة والتليفزيون، وكانت الاجراءات تتم على قدم وساق، وفى مساء الجمعة وقبل الإعلان عن النبأ اجتمعنا ثلاثتنا أنا والفنان أحمد السقا ومحمود موسى فى مستشفى دار الفؤاد، وتناقشنا سويًا فى الإجراءات المتخذة، ومنها السفر إلى باريس.
وبالفعل سافر أحمد زكى إلى باريس سريعًا، ليعود بعدها إلى القاهرة لاستكمال العلاج الكيماوى، على أن يعود إلى باريس مرة أخرى بعد تسعة أسابيع لإجراء المزيد من الفحوصات ومعرفة نتائج جرعات الكيماوى بعد أن تم استبعاد الجراحة.
كانت قلوب الناس معلقة بأحمد زكى، وكان زملاؤه الفنانون، يتابعون حالته أولاً بأول، خاصة الفنانة رغدة التى خصصت جل وقتها لمتابعته داخل المستشفى وأيضا الفنان أحمد السقا وآخرون.
الرئيس الراحل محمد حسني مبارك " width="1200" height="765">الرئيس الراحل محمد حسني مبارك ">وكان أحمد زكى يجلس فترات طويلة مع ابنه (هيثم) الذى كان يرافقه فى المستشفى كثيرًا.. أما الزميل الصحفى محمود موسى فقد ترك كل شىء ليتفرغ لأحمد زكى ويتابع حالته.
وعندما زرته بعد العودة فى مستشفى دار الفؤاد بحضور د. حسن البنا الطبيب المعالج له فى هذا الوقت، كنت أظن أن لقائى به لن يستمر سوى دقائق معدودة، كنت أتحسس الوقت خوفًا عليه، لكنه كان يرفض أن أغادر، ويمسك بيدى ليقول لى: انت وراك إيه.. أقعد..
راح أحمد زكى يحكى لى وقائع ما حدث معه هنا، وفى باريس، وكان سعيدًا بهذا الالتفاف الشعبى من حوله، كان خفيف الظل كعادته، راح يحدثنى عن أوجه الشبه بيننا ويقولى لى الناس يسألوننى فى كل مكان هو مصطفى بكرى قريبك، فكنت أقول لهم: أيوه احنا أكثر من الإخوات.
حرك جسده قليلاً وقال: والله والله أنا ولا مهتم، أنا بقاوم اللى اسمها الخلايا النشطة دى بالضبط زى ما قاومنا العدو فى حرب 1973، جهزنا المدافع والصواريخ والطيارات والدبابات ثم انطلقنا وتحقق النصر.
نظر إلىّ بإمعان وقال: أنا كمان استعديت، الكيماوى والإرادة والإيمان بالله وحب الناس، هى دى أسلحتى لمقاومة المرض، وبإذنه الله حغلبه، ولن أعطيه فرصة يغلبنى، وكمان أنا ناوى أنزل الشغل.. حرجع للفن وللناس ولحبايبى.
ضحك أحمد زكى ضحكة تشتم منها رائحة الألم وقال: حدثونى عن أعراض المرض بعد أول جرعة كيماوى، ثم نظر إلى وأمسك بيدى وقال: والله يادرش ياخويا ولا حاجة حصلت، أنا أهه صاغ سليم.
صفوت الشريف">صفوت الشريف">وقال: أنا موش عارف أقول إيه للريس الذى احتضنى منذ اليوم الأول.. ولكن هو ده حسنى مبارك، ولغاية دلوقتى بيتابع حالتى أولا بأول، وبعد العودة كأنه تفرغ لى لوحدى، ده رفع معنوياتى للسما.
وقال: والله أنا شاكر للدولة، لكن خلى بالك بكره حرجع للتمثيل وحدفع كل قرش اتصرف عليا، حاجة واحدة بس مش هعرف أسددها حب الناس، أنا مدين لمصر وللناس.
حاولت أن أقاطعه، وأن أقول له: احنا عندنا كام أحمد زكى.. الناس كلها بتحبك وهذا حقك على الجميع، لكنه كان يقول دائما: والله أنا محتاس حسدد جميل الناس إزاى، إيه الحب ده كله يا جدع!!.
قال لى: هل حكت لك رغدة، ماذا قال لها المواطن البسيط الذى يجمع القمامة، كان يقول لها كل صباح: قولى لأحمد زكى أنا بحبه وبدعيله.
صمت أحمد زكى لبعض الوقت، كأنه يحاول أن يوقف دموع الفرح والسعادة من أن تتدفق، ثم نظر إلى الدكتور حسن البنا الذى كان معنا منذ بداية الزيارة وقال له: يا دكتور حسن، أنا عاوز إيه أكثر من كده، بالذمة موش ربنا بيحبنى..
كانت معنويات أحمد زكى مرتفعة للغاية، ولم يمنعه المرض من قراءة سيناريوهات العديد من الأفلام، ومن بينها سيناريو فيلم (حليم) وفيلم (المشير والرئيس) وسيناريو فيلم (نقيب العذاب).
كان أحمد زكى يخضع لجرعة كيماوى كل أسبوع لمدة لا تقل عن ست ساعات فى الجلسة الواحدة، كان يعانى الألم، ولكنه رويدًا رويدًا، بدأ يتأقلم ويقول: عسى أن تكرهوا شيئًا وهو خير لكم.
كان التفاف الناس من كل فئات حول أحمد زكى هو من أهم الأسباب فى تقوية مناعته ورفع روحه المعنوية وإصراره على قهر المرض، وهو ما شجعه على بدء العمل فى فيلم (حليم) رغم تدهور صحته فى هذا الوقت.
ظل أحمد زكى يقاوم المعاناة ويصر على استكمال فيلم (حليم) إلا أن القدر لم يمهله، لقد توفى أحمد زكى فى 27 مارس 2005، كان يومًا حزينًا، مؤلمًا.
كانت جنازته حاشدة، وكان العزاء ضخمًا لقد رحل ابن الشعب، الإنسان البسيط، الطبيعى، مات واستكمل ابنه (هيثم) دوره فى فيلم حليم، ولكنه رحل هو الآخر فى 17 نوفمبر 2019، ليعيد إلى الناس ذكرى الرحيل لوالده الفنان، المبدع، الإنسان، الأخ والصديق.