شهادات وذكريات.. يرويها مصطفى بكري لـ«الجمهور»: لبيك يا بغداد
حرب العراق كانت بداية المخطط "الأمريكي ــ الصهيوني" لتقسيم الشرق الأوسط
مدير المخابرات الأمريكية اعترف بأن مصر ستكون الهدف الثاني أو الثالث بعد سقوط بغداد
واشنطن لم تقدم أدلة حقيقية تثبت امتلاك العراق أسلحة للدمار الشامل والنية كانت مبيته للغزو والحرب
هذه ليست قصة حياة، بل شهادة حية على مرحلة تاريخية مهمة، عشت فصولها، انتصاراتها وانكساراتها، حلوها ومرها، اقتربت من صناع هذه الأحداث أحيانًا، وكنت ضحية لعنفوانهم في أحيان أخرى، معارك عديدة دخلتها، بعضها أودي بي إلى السجون، لم أنكسر، ولم أتراجع عن ثوابتي، وقناعاتي.
أروى هذه الشهادات التي ينشرها موقع "الجمهور" بصدق وموضوعية، بعض شهودها أحياء، والبعض رحل إلى الدار الآخرة، لكن التاريخ ووقائعه لا تنسى، ولا يمكن القفز عليها، وتزوير أحداثها.
في هذه الحلقات التي ينشرها موقع "الجمهور" يوم "الجمعة" من كل أسبوع، يروي الكاتب والبرلماني مصطفى بكري شهادته عن أزمات وأحداث كان شاهدًا عليها، خلال فترات حكم الرئيس السادات والرئيس مبارك والمشير طنطاوي ومرسي والرئيس السيسي.
1- دعوة من عماد الجلدة
في الأيام الأخيرة من شهر نوفمبر من العام 2002، تلقيت دعوة من عماد الجلدة، عضو مجلس الشعب، في ذلك الوقت لزيارة العراق، حيث قضيت مع وفد كبير الأيام الثلاث الأخيرة من شهر رمضان المعظم بين أهل العراق وسط أجواء بتوقعات شن العدوان الأمريكي - الغربي في أية لحظة.. ضم الوفد نحو مائة شخصية مصرية، من رجال الدين والأطباء والإعلاميين وبعض الشخصيات العامة وأعضاء مجلس الشعب.. سافرنا من القاهرة يوم الاثنين 28 نوفمبر 2002، وعدنا مساء الخميس 1 ديسمبر 2002، حيث أدينا صلاة عيد الفطر المبارك مع الأشقاء العراقيين، وقمنا بزيارة خاصة إلى مستشفى صدام التعليمي لعلاج الأطفال، وهناك قام أعضاء الوفد بتوزيع الهدايا الرمزية على مئات الأطفال المصابين بأمراض السرطان، والتشوهات الخلقية من جراء استخدام الولايات المتحدة لليورانيوم في الحرب التي شنتها ضد العراق عام 1991.

2- شوارع بغداد
ذهبت إلى العراق، وكان همى الأساسي منذ البداية، ليس فقط المشاركة في هذه المظاهرة التضامنية مع أشقاء يتعرضون للموت والحصار منذ 12 عاما، ولكن أيضا لمعرفة الصورة عن قرب من خلال كبار المسئولين، وبعض الشخصيات المرتبطة بنظام الحكم في العراق، أو حتى المواطنين البسطاء.. كانت شوارع بغداد تبدو مكتظة بالرواد.. المطاعم كانت تسهر حتى وقت متأخر من الليل.. يحدثك العراقيون وهم غير مكترثين بما يحدث حولهم.. كان سؤالي الأساسي للكثيرين ممن إلتقيتهم: هل يستطيع العراق الصمود أمام الحرب التكنولوجية العاتية؟.. وهنا قال لي مسئول عراقي: «إن الشارع العراقي مهيأ تماما لحرب الشوارع، فحزب البعث الحاكم له تواجد كبير فى كافة الأوساط والمواقع، وكوادره تمتلك أسلحة ومعدات ثقيلة، وهى مدربة على حرب الشوارع».
حين عدنا إلى القاهرة، رحنا نواصل التحرك بقوة لمواجهة الاحتمالات المتصاعدة لشن الحرب على العراق، فشاركت في المؤتمر الذى عقد في القاهرة في ديسمبر 2002، والذى تحدث فيه عدد كبير من رموز العمل الوطني والعربي من المصريين، وكذلك شخصيات عالمية، وكان من أبرز المشاركين السيد حسين الشافعي، نائب رئيس الجمهورية سابقا، ومحمد فائق وزير الاعلام الأسبق، والمحامي والمفكر د محمد سليم العوا، والنائب فكرى الجزار، والقيادي الناصري اللبناني أسامة سعد، والقيادي العراقي سعد قاسم حمودي، والنائب البريطاني جورج جلاوي، وغيرهم كثير.. يومها قلت في كلمتي في المؤتمر، «إن ضرب العراق جزء من المخطط الأمريكي - الصهيوني لإعادة رسم خريطة المنطقة، وإقامة إسرائيل الكبرى التي تقود المنطقة وفقا للاستراتيجية الأمريكية الجديدة».
بعد أسبوعين من زيارتي لبغداد، تلقيت دعوة من الصديق خالد الخويلدي الحميدي، رئيس المنظمة العالمية للسلم والإغاثة والرعاية، للسفر سويا، ضمن وفد "مصري - ليبى" للمشاركة في اجتماعات لجنة التضامن مع العراق، وتقديم كميات كبيرة من الأدوية كمساهمة رمزية من المنظمة في رفض الحصار الجائر على شعبنا في العراق الشقيق.. واجهتنا عراقيل عديدة ونحن في الطريق إلى بغداد عبر الأردن، لكننا لم نهتم، حتى وصلنا إلى بغداد.. توجهنا إلى ملجأ العامرية الذى تعرض للقصف فى حرب العام 1991، وزرنا مستشفى صدام التعليمي للأطفال.. كان الحضور العالمي كبيرا، جاء وزير العدل الأمريكي الأسبق رمزي كلارك، والنائب البريطاني جورج جلوي، والرئيس الجزائري الأسبق أحمد بن بيلا، وغيرهم من المتضامنين مع شعب العراق فى مواجهة العربدة الأمريكية - الغربية.

وكان الغضب العارم يجتاح كل البلدان والعواصم، ولكن الرئيس جورج بوش «الابن» حسم الموقف، لم ينتظر مناقشة التقرير حول أسلحة الدمار الشامل فى مجلس الأمن، لم يستمع إلى نصائح هانزبليكس، هدد الرافضين وتوعدهم، وطلب من كل أعضاء المجلس التصديق على الاتهام الموجه ضد العراق، والتأكيد على خرقه قرار مجلس الأمن خرقًا ماديًا .. بعدها أعلن بوش عن حشد عشرات الآلاف من جنوده، للتأهب لشن الحرب المجنونة والظالمة ضد بلد عربي شقيق.
أما «رئيس الوزراء البريطاني تونى بلير فقد طلب هو الآخر من قواته أن تكون مستعدة لتحرك محتمل فى العراق، وصدرت التعليمات إلى العديد من الدول الأوربية بأن تعلن الطوارئ داخل مؤسساتها العسكرية المختلفة، وألغى الرئيس بوش زيارة كان ينتظر القيام بها خارج البلاد فى مطلع العام الجديد، تحسبًا للتطورات القادمة.
وهكذا بدأ بوش يدق الطبول الأخيرة لإعلان الحرب وراح يستنفر شعبه من خلال الادعاء بأن العراق يكذب، وأنه يمتلك أسلحة دمار شامل لا يريد الكشف عنها.. تجاهل تصريحات هانز بليكس التي حاول من خلالها أن يجد لغة دبلوماسية لإعلان رفضه لموقف واشنطن، لقد قال رئيس المفتشين الدوليين، إن الولايات المتحدة وبريطانيا لا تقدمان للمفتشين معلومات كافية عن المواقع التي تشتبهان بأنها تحوى أسلحة دمار شامل فى العراق، وأضاف: «يمكن للولايات المتحدة وبريطانيا أن تكشفا لنا المواقع التي تؤكد أن العراق يخبئ فيها أسلحة دمار شامل» وقال بلغة حاسمة تعنى الكثير: «إننا نتلقى معلومات كثيرة حول ما يملكه العراق بحسب اعتقادهم لكننا بحاجة إلى معلومات عن المواقع التي قد تكون الأسلحة مخبأة فيها».
هذا عن كلام هانز بليكس، وهو أمر يوضح بلا جدال أن واشنطن لم تكن تمتلك أدلة حقيقية تثبت أن بحوزة العراق أسلحة للدمار الشامل، وأن أجهزة الاستخبارات عجزت عن تقديم معلومات كافية تمثل دليلاً لعمل المفتشين الدوليين.
وأمام حالة التشكك التي سادت أوساط الدول الأعضاء بمجلس الأمن حول الاتهامات الأمريكية راح وزير الخارجية الأمريكي كولن باول، يحدد خطة من أربع نقاط هدفها هو كسب عامل الوقت، ورصد العديد من المواقع العسكرية العراقية واستكمال عمليات الحشد والتشاور مع الحلفاء، كانت نذر الحرب تخيم على المنطقة، فالرئيس الأمريكي وأركان إدارته صمموا بالفعل على إعلان الحرب وإشعال المنطقة لحسابات تتعلق بالمخطط الأمريكي ــ الصهيوني، بينما دول الخليج ستتحمل الجانب الأكبر من هذه التكلفة، الأمر الذى ينذر بكوارث اقتصادية كبيرة لهذه البلدان التي تعانى عجزًا كبيرًا فى ميزانياتها بفعل النهب المنظم لثرواتها فى هذا الوقت، حذرت من وقوع الحرب، وقلت: إذا نجحت أمريكا فى احتلال العراق وإسقاط نظامه فسوف تلحق بالمنطقة العربية تغييرات كبرى وسوف تعود الأمة جميعها إلى عصر الاستعمار والعبودية من جديد، ولن يستطيع أحد من هؤلاء الذين يظنون أن الحرب بعيدة عنهم أن يرفع رأسه بعد اليوم، بل لن يستطيع أن يرفض طلبًا للولايات المتحدة والكيان الصهيوني.
وكانت كل المعلومات الواردة من واشنطن وتل أبيب تقول، إن مصر هي الهدف الثاني أو الثالث على الأكثر، قال ذلك جيمس ولسي مدير المخابرات المركزية الأمريكية السابق في جامعة أكسفورد، وردد ذلك كثير من المحللين والمقربين إلى دوائر صنع القرار فى الولايات المتحدة.
لقد نشرت صحيفة هاآرتس الإسرائيلية تقريرًا فى الأول من شهر أكتوبر2002، تحدثت فيه عن تفاصيل اجتماع سرى بين خبراء عسكريين إسرائيليين وأمريكيين قالت فيه إن التحركات في المنطقة خلال المرحلة المقبلة ستدور فى إطار محورين أساسيين:
- الأول، العراق هدف تكتيكي، والسعودية هدف استراتيجي، ومصر هي الجائزة الكبرى
- الثاني إسرائيل هي فلسطين، وفلسطين هي الأردن، والأسرة الهاشمية تحكم العراق.
وقد حاولت واشنطن آنذاك التلويح بزيادة المعونات الاقتصادية لمصر إلى الضعف فى مقابل ضمان مشاركتها فى الحرب ضد العراق، إلا أن الرئيس الأسبق مبارك رفض ذلك بكل إصرار، بل وطالب الرئيس بوش في مكالمة هاتفية بينهما بالعمل على حل الأزمة مع العراق سلميًا.
في هذا الوقت الحاسم، رحت أطالب بتحرك فاعل وحاسم قبل حدوث الطوفان، مطالبًا بإطلاق حركة الشوارع وقيادة الأمة نحو أهداف محددة ترتكز على حماية الأمن القومي وتوقف الزحف الأمريكي - الصهيوني على ما تبقى من كياننا الممزق والذى يتعرض للانهيار.
وكان وقع اندلاع الحرب على العراق رهيبًا فى مصر، حيث احتشد عشرات الآلاف في ميدان التحرير وكنت معهم محمولًا على الأعناق.. شباب فى عمر الزهور، أصوات طالبات الجامعة الأمريكية تختلط مع حناجر طلاب جامعة الأزهر وجامعة القاهرة.. هتافات تدوى فى جامعات الزقازيق والإسكندرية وكفر الشيخ وعين شمس والمنصورة والمنيا وبنى سويف والمنوفية.
منذ الثانية عشرة من ظهر يوم شن الحرب على العراق، احتشدوا فى ميدان التحرير، ارتفعت حناجرهم «بالروح بالدم نفديك يا بغداد».. بصقوا على وجوه شارون وبوش وبلير، لعنوا كل من صمت أو تعاون، لم يبرحوا المكان، ظلوا حتى وقت متأخر من الليل، وفى اليوم التالي كان اللقاء فى ساحة الأزهر، قبلة الجهاد.. صوت مصر العظيمة راح يدوى، الناس تكاد تنفجر فى كل مكان.. البيوت تغلى.. تلعن الإعلام المزيف، تعلن سخطها على الكذابين، وتتساءل: متى تأتى اللحظة؟.. لحظة الخلاص من كل هذا الزيف والبهتان.
3- جورج بوش "يا خسيس"
وفى الجامع الأزهر، احتشد المصلون، هزت صيحاتهم أعمدة المسجد العتيق وأبوابه الحديدية.. لم يستطع المصلون أن يصبروا حتى تنتهى خطبة شيخ الأزهر، فبدأوا تظاهرهم جميعا حين ارتفع صوت المؤذن بنداء الله أكبر، .. ارتفعت أصواتهم تلقائيا دون تنسيق، «الله أكبر يا أمريكا»، ولا يهمك يا بغداد.. إما نصر أو استشهاد، جورج بوش يا خسيس.. دم أخواتنا مش رخيص، وأعقبت الصلاة مظاهرة حاشدة جابت الشوارع المحيطة بالجامع الأزهر، انضمت إليها العديد من طوائف الشعب المصري وكنت معهم، ولم تتوقف مظاهرات الغضب عند حد، بل راحت تتمدد فى العديد من محافظات مصر.

وخرجت صحيفة الأسبوع في هذه اللحظات، بمانشيت صارخ، يقول «البقاء لله في الحكام العرب» لقد أذلونا، واستعبدونا، ثم باعونا.. ورحت أخطب وسط حشد كبير من طلاب جامعة بنى سويف، مؤكدا أن ما يحدث لا يستهدف العراق فحسب، بل يستهدف إعادة صياغة المنطقة.. كنت منذ هذا الوقت وقبله بكثير، أحذر من المخاطر الرهيبة، التي ستجتاح الأمة، حال سقوط العراق، بيد المستعمرين الجدد، وجوقة العملاء ممن تم تصنيعهم فى مختبرات الجاسوسية فى دوائر الغرب، وقلت أن احتلال العراق، سيفتح بوابات الشرق الأوسط، والعالم العربي، أمام القوات الأجنبية، والتي لن تتردد فى توجيه ضرباتها، لبلد تلو الأخرى، وإسقاط حكوماتها، والدفع بعناصرها الموالية لتبوأ مقاليد الحكم فى تلك البلدان، وهو ما حدث بعد سنوات من غزو العراق، واتساع دائرة الموت، لتسقط العديد من الأنظمة العربية، وتبقى أخرى تحت دائرة الحصار، والملاحقة، والإرهاب.