مشروع بـ120 مليون جنيه يغير قواعد اللعبة في الأقصر.. ماذا يحدث ؟
في خطوة تعكس توجه الدولة نحو تطوير البنية التحتية للأسواق وتحسين كفاءة سلاسل الإمداد الغذائي، أعلنت وزيرة التنمية المحلية والبيئة بدء تنفيذ المرحلة الأولى من مشروع سوق الحبيل الحضاري للخضار والفاكهة بمركز البياضية بمحافظة الأقصر، باستثمارات تبلغ نحو 120 مليون جنيه، في مشروع يُنظر إليه باعتباره أحد أكبر مشروعات تطوير أسواق الجملة في صعيد مصر خلال السنوات الأخيرة.
ويأتي المشروع في إطار رؤية حكومية تستهدف تحديث منظومة تداول السلع الزراعية، وتقليل الفاقد من المنتجات الغذائية، ورفع كفاءة الخدمات المقدمة للتجار والمواطنين، بما يتماشى مع أهداف التنمية المستدامة ورؤية مصر 2030.

سوق يخدم شرق الأقصر
تمثل أهمية المشروع حقيقة أن سوق الحبيل القائم حاليًا يعد سوق الجملة الوحيد للخضار والفاكهة بمنطقة شرق محافظة الأقصر، كما يمثل المصدر الرئيسي لتغذية مدينة الأقصر والعديد من المناطق المجاورة بالمنتجات الزراعية اليومية.
ومع التوسع العمراني والزيادة السكانية التي شهدتها المحافظة خلال السنوات الماضية، بات السوق الحالي غير قادر على استيعاب النمو المتزايد في حجم التداول التجاري، الأمر الذي فرض الحاجة إلى إنشاء سوق حديث بمواصفات متطورة يواكب المتغيرات الاقتصادية والعمرانية.
وتشير الدراسات التي أعدتها الجهات المعنية إلى أن استمرار العمل بالسوق القديم كان سيؤدي إلى تحديات متزايدة تتعلق بالازدحام وضعف الخدمات وصعوبة التوسع المستقبلي، وهو ما دفع الحكومة إلى تبني مشروع النقل والتطوير الشامل.
استثمارات مشتركة
يحظى المشروع بدعم مالي وتنموي كبير، حيث تبلغ التكلفة الإجمالية للمرحلة الأولى نحو 120 مليون جنيه، تمول وزارة التنمية المحلية والبيئة الجزء الأكبر منها بقيمة 90 مليون جنيه، بينما يساهم الاتحاد الأوروبي بنحو 30 مليون جنيه من خلال التعاون مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي.
ويعكس هذا التمويل المشترك الثقة الدولية في المشروعات التنموية التي تنفذها الدولة المصرية، خاصة تلك التي تستهدف تطوير الخدمات الأساسية وتحسين جودة الحياة بالمحافظات.
كما يبرز المشروع نموذجًا للتعاون بين المؤسسات الحكومية وشركاء التنمية الدوليين في تنفيذ مشروعات ذات تأثير اقتصادي واجتماعي مباشر على المواطنين.

لماذا تم اختيار البياضية؟
اختارت الجهات المختصة موقع المشروع الجديد بمركز البياضية خارج الكتلة العمرانية الرئيسية، وهو اختيار لم يكن عشوائيًا، بل استند إلى اعتبارات فنية وتنموية متعددة.
فالموقع الجديد يوفر مساحات كافية للتوسع المستقبلي، ويسمح بإضافة مراحل جديدة من التطوير وفقًا لاحتياجات السوق وحجم النشاط التجاري المتوقع خلال السنوات المقبلة.
كما يسهم الموقع في تخفيف الضغط المروري داخل المناطق السكنية، ويتيح تنظيم حركة الشاحنات ووسائل النقل المرتبطة بتداول الخضار والفاكهة بصورة أكثر كفاءة.
ويفتح نقل السوق أيضًا المجال أمام استغلال الموقع القديم في تنفيذ مشروعات خدمية وتنموية جديدة تلبي احتياجات سكان المنطقة.
بنية تواكب الأسواق العالمية
لا يقتصر المشروع على مجرد نقل السوق من مكان إلى آخر، بل يتضمن إنشاء منظومة متكاملة لتداول المنتجات الزراعية وفق أحدث المعايير الفنية.
وتشمل المرحلة الأولى إنشاء عشرة عنابر حديثة بمساحة 600 متر مربع للعنبر الواحد، تضم إجمالًا 60 وحدة تجارية متنوعة، منها 55 وحدة بمساحة 100 متر مربع، وخمس وحدات بمساحة 200 متر مربع.
كما يتضمن السوق مناطق مخصصة لبيع الفاكهة، وساحات مظللة لتداول المحاصيل الزراعية، إلى جانب إنشاء ميزان قباني حديث لتنظيم عمليات الوزن والتداول التجاري.

وتهدف هذه المكونات إلى توفير بيئة عمل أكثر تنظيمًا وكفاءة مقارنة بالوضع الحالي، بما ينعكس على جودة الخدمات وسرعة حركة البيع والشراء.
تقليل الفاقد
أحد أبرز الأهداف الاستراتيجية للمشروع يتمثل في الحد من الفاقد الزراعي الذي يمثل تحديًا اقتصاديًا كبيرًا في العديد من الأسواق التقليدية.
ولهذا يتضمن المشروع إنشاء مبنى متكامل للفرز والاستلام، وغرفًا مخصصة للتبريد والحفظ، بالإضافة إلى مراكز للفرز والتعبئة والتغليف.
وتساعد هذه المرافق في الحفاظ على جودة المنتجات الزراعية لفترات أطول، وتقليل التلف الناتج عن سوء التخزين أو النقل، الأمر الذي ينعكس إيجابًا على الأسعار وجودة المنتجات المتاحة للمستهلكين.
كما تسهم هذه المنظومة في رفع كفاءة سلاسل الإمداد الغذائي داخل المحافظة وربط المنتجين والتجار بمنظومة أكثر احترافية.
بعد بيئي يعزز الاستدامة
لم تغفل الدولة البعد البيئي خلال تصميم المشروع، حيث يتضمن السوق منظومة متكاملة لإدارة المخلفات وإعادة تدوير النفايات والفاقد السوقي.
وتستهدف هذه المنظومة تقليل الآثار البيئية الناتجة عن الأنشطة التجارية اليومية، والاستفادة من المخلفات الزراعية بصورة اقتصادية مستدامة.
ويعد هذا التوجه جزءًا من استراتيجية أوسع تتبناها وزارة التنمية المحلية والبيئة لدمج الاعتبارات البيئية في المشروعات التنموية، بما يحقق التوازن بين النمو الاقتصادي والحفاظ على الموارد الطبيعية.
فرص عمل وتنشيط اقتصادي
من المتوقع أن يحقق المشروع آثارًا اقتصادية مباشرة وغير مباشرة على محافظة الأقصر.
فخلال مرحلة التنفيذ يوفر المشروع فرص عمل للعمالة المحلية في مجالات الإنشاءات والتجهيزات والخدمات المساندة، بينما تتيح مرحلة التشغيل فرصًا جديدة في مجالات النقل والتخزين والتسويق والخدمات اللوجستية.

كما يسهم السوق الجديد في تنشيط الحركة التجارية بالمحافظة، ورفع كفاءة تداول السلع الزراعية، وزيادة حجم الاستثمارات المرتبطة بقطاع التجارة الغذائية.
ويرى خبراء التنمية المحلية أن تطوير أسواق الجملة يمثل أحد أهم الأدوات لتحسين كفاءة الاقتصاد المحلي، نظرًا لدوره المباشر في ضبط حركة السلع وتحسين الخدمات المقدمة للمواطنين.
توافق كامل مع التجار
حرصت الجهات المنفذة للمشروع على إشراك التجار العاملين بالسوق الحالي في مراحل التخطيط والتصميم، بما يضمن توافق المشروع مع احتياجات النشاط التجاري القائم.
وتؤكد التقارير الرسمية وجود توافق كامل من جانب التجار بشأن عملية النقل والتطوير، خاصة مع مراعاة متطلباتهم التشغيلية وتوفير وحدات حديثة تساعدهم على ممارسة أنشطتهم بصورة أكثر كفاءة.
كما تستهدف المرحلة الأولى نقل جميع التجار الحاليين البالغ عددهم 36 تاجرًا إلى السوق الجديد دون التأثير على استمرارية النشاط التجاري.

نهاية 2026 موعد التحول
وفقًا للجدول الزمني المعتمد، من المتوقع الانتهاء من تنفيذ المرحلة الأولى للمشروع ودخولها الخدمة بنهاية عام 2026.
ومع اكتمال المشروع، ستكون محافظة الأقصر أمام نموذج جديد لأسواق الجملة الحديثة، يجمع بين التطور العمراني والكفاءة الاقتصادية والاستدامة البيئية.
وبينما تمضي أعمال التنفيذ وفق الخطة المقررة، يبقى مشروع سوق الحبيل الحضاري أحد النماذج التي تعكس توجه الدولة نحو تحديث البنية التجارية والخدمية بالمحافظات، وتحويل الأسواق التقليدية إلى مراكز اقتصادية متطورة قادرة على دعم التنمية المحلية وتحسين جودة الحياة للمواطنين.