رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري
الجمهور الإخباري
رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري

محمد غزال يكتب: المنطقة أمام اختبار تاريخي بين منطق القوة ومسار التسويات السياسية

محمد غزال
محمد غزال

يشهد الشرق الأوسط منذ فبراير 2026 تصعيدًا عسكريًا غير مسبوق بين الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، في مشهد يعكس انتقال الإقليم من مرحلة إدارة التوترات المزمنة إلى مرحلة إعادة صياغة قواعد الاشتباك بصورة مباشرة ومعلنة. لم يعد الأمر مقتصرًا على حرب ظل أو رسائل ردع غير مباشرة، بل أصبح اختبارًا مكشوفًا للإرادات السياسية والعسكرية، بما يحمله ذلك من مخاطر استراتيجية تتجاوز حدود أطراف النزاع إلى بنية النظام الإقليمي ذاته.

هذا التصعيد لا يمكن قراءته باعتباره حلقة جديدة في صراع تقليدي حول البرنامج النووي الإيراني أو نسب التخصيب، بل هو صراع على تعريف معادلة الأمن الإقليمي في الشرق الأوسط: من يضع قواعد الردع؟ ومن يمتلك حق فرض الوقائع بالقوة؟ ومن يحدد خطوط الأمن الجماعي في مرحلة ما بعد التوازنات التقليدية؟

_من إدارة الأزمات إلى إعادة تشكيل قواعد الردع_

التحول الجوهري في المشهد الراهن يتمثل في انتقال الصراع من سياسة “الاحتواء المتبادل” إلى محاولة فرض معادلات ردع جديدة. الضربات العسكرية المتبادلة والردود المحسوبة تعكس سعي كل طرف إلى اختبار سقف القوة لدى الطرف الآخر دون الانزلاق إلى حرب شاملة. إلا أن هذا النمط من “التصعيد المنضبط” يظل محفوفًا باحتمالات الخطأ في الحسابات، وهو ما قد يحول أي حادث تكتيكي إلى مواجهة استراتيجية واسعة.

الأخطر في هذا السياق هو توسع مفهوم “الضربات الوقائية” خارج إطار الشرعية الدولية. فحين يصبح استخدام القوة أداة لإعادة صياغة الواقع السياسي، فإن ذلك يفتح الباب أمام سوابق قد تقوض ما تبقى من منظومة الضبط في العلاقات الدولية، ويؤسس لمرحلة تصبح فيها القوة المجردة مرجعية بديلة عن التفاهمات القانونية والدبلوماسية.

_الأبعاد العسكرية: حرب إرادات محسوبة_

المشهد العسكري الحالي يعكس حرصًا واضحًا على تجنب الحرب الشاملة، مع الإبقاء على مستوى تصعيد كافٍ لفرض الردع. هذا التوازن الدقيق يعتمد على إدارة “حافة الهاوية”، حيث يسعى كل طرف إلى تحقيق مكاسب سياسية من دون تحمل كلفة الانفجار الكبير. غير أن كثافة العمليات وتداخل المسارح الجغرافية يرفعان احتمالات الانزلاق، خاصة في ظل تعدد الفاعلين غير الدوليين وتشابك التحالفات.

إن استمرار هذا النمط من الصراع يعني بقاء المنطقة في حالة استنزاف استراتيجي طويل، وهو ما ينعكس على موازين القوى الداخلية في دول الإقليم، ويزيد من هشاشة البنى الاقتصادية والاجتماعية.

_الاقتصاد تحت ضغط النار_

تداعيات التصعيد لا تتوقف عند حدود الأمن العسكري، بل تمتد بعمق إلى الاقتصاد الإقليمي والعالمي. ارتفاع أسعار النفط بصورة حادة يعيد شبح التضخم العالمي، ويضغط على الاقتصادات الناشئة بشكل خاص. أي تهديد لممرات الطاقة، وخاصة مضيق هرمز، كفيل بإحداث قفزة كبيرة في الأسعار، بما يعيد تشكيل حسابات النمو العالمي.

في هذا السياق، تتأثر حركة التجارة الدولية بصورة مباشرة، خصوصًا عبر قناة السويس، التي تمثل شريانًا حيويًا للتجارة العالمية. البحث عن مسارات بديلة مثل طريق رأس الرجاء الصالح يزيد من تكاليف الشحن ومدة النقل، ما ينعكس على أسعار السلع وسلاسل الإمداد. ومن هنا تصبح إدارة المخاطر اللوجستية جزءًا أساسيًا من معادلة الأمن القومي للدول المطلة على الممرات البحرية الحيوية.

_مصر وإدارة التوازن الدقيق_

في خضم هذه التحديات، تتحرك الدولة المصرية وفق استراتيجية متعددة الأبعاد تقوم على ثلاثة محاور مترابطة:

أولًا: الدبلوماسية النشطة عبر تكثيف الاتصالات الدولية والإقليمية لتثبيت مبدأ خفض التصعيد، والعمل على ضمان استمرار تدفق التجارة العالمية بأقل قدر من الاضطراب.

ثانيًا: الأمن البحري واللوجستي من خلال تأمين الملاحة وتقديم حوافز اقتصادية وتشغيلية للشركات العالمية، بما يعزز جاذبية المرور عبر قناة السويس حتى في أوقات التوتر.

ثالثًا: التكيف الاقتصادي عبر تطوير الخدمات اللوجستية ورفع القيمة المضافة للممر الملاحي، بحيث يتحول من مجرد طريق عبور إلى مركز متكامل للخدمات البحرية والصناعية.

هذه المقاربة تعكس إدراكًا بأن الأمن الاقتصادي بات امتدادًا مباشرًا للأمن القومي، وأن إدارة الأزمات في العصر الحديث لا تقتصر على الجبهة العسكرية، بل تشمل سلاسل الإمداد والطاقة والتجارة.

_القوى الدولية: توازنات معقدة_

موقف القوى الكبرى الأخرى يعكس بدوره حسابات دقيقة. فـروسيا تميل إلى دعم إيران سياسيًا في مواجهة الضغوط الغربية، لكنها في الوقت ذاته تحث على ضبط النفس لتجنب تفجير إقليمي قد يربك أولوياتها الاستراتيجية. أما الصين، بصفتها أكبر مستورد للطاقة من المنطقة، فتنتهج سياسة موازنة دقيقة بين مصالحها التجارية مع الخليج وعلاقاتها مع طهران، مع ميل واضح إلى الوساطة غير المباشرة لتفادي اضطراب أسواق الطاقة.

هذا التداخل في المصالح الدولية يجعل من الأزمة الراهنة جزءًا من صراع أوسع على شكل النظام الدولي وتوازناته، حيث يتقاطع البعد الإقليمي مع المنافسة بين القوى الكبرى.

_سيناريوهات المرحلة المقبلة_

يمكن تصور ثلاثة مسارات رئيسية للتطورات القادمة:

1. استمرار التصعيد المحدود مع تثبيت خطوط حمراء واضحة تمنع الانزلاق إلى حرب شاملة.


2. العودة إلى مسار تفاوضي يعيد ضبط الملف النووي ويؤسس لتفاهمات أمنية أوسع.


3. الانزلاق إلى مواجهة واسعة نتيجة خطأ في الحسابات أو قرار سياسي متسرع، وهو السيناريو الأعلى كلفة والأقل رغبة لدى الأطراف كافة، لكنه يظل قائمًا.

 

المؤشرات الحالية ترجح بقاء التصعيد ضمن سقف مضبوط، مع استمرار قنوات اتصال غير معلنة تهدف إلى منع الانفجار الكبير. إلا أن طول أمد التوتر قد يراكم مخاطر يصعب احتواؤها لاحقًا.

_بين منطق القوة ومسار التسويات_

اللحظة الراهنة تمثل اختبارًا تاريخيًا للمنطقة: هل ينتصر منطق القوة وفرض الوقائع العسكرية، أم تتغلب الحسابات السياسية التي تدرك أن الأمن الإقليمي لا يُبنى بالضربات الاستباقية وحدها، بل عبر تسويات عادلة ومتوازنة تحترم سيادة الدول وتمنع سباقات تسلح جديدة؟

إن إعادة الاعتبار للمسارات الدبلوماسية لم تعد خيارًا أخلاقيًا فحسب، بل ضرورة استراتيجية لتجنب إعادة تشكيل الشرق الأوسط على وقع مواجهات مفتوحة قد تمتد آثارها لسنوات طويلة. وفي هذا السياق، تظل قدرة الدول المحورية، وفي مقدمتها مصر، على إدارة التوازنات وحماية مصالحها الاقتصادية والدبلوماسية عنصرًا حاسمًا في الحفاظ على قدر من الاستقرار وسط عاصفة إقليمية غير مسبوقة.

المنطقة اليوم لا تقف فقط على حافة تصعيد عسكري، بل أمام مفترق طرق تاريخي سيحدد شكل نظامها الإقليمي لعقود مقبلة: إما شرق أوسط تحكمه معادلات القوة الصلبة، أو شرق أوسط يعاد فيه إحياء منطق التسويات السياسية كضامن وحيد للاستقرار المستدام.

تم نسخ الرابط