ريهام حسن تكتب: كفى تزييفا للمفاهيم نحن لا نريد تربية إيجابية نحن نريد تربية
في السنوات الأخيرة، انتشر مصطلح "التربية الإيجابية" انتشار النار في الهشيم. وأصبح يُستخدم كمرجعية تربوية دون مرجعية علمية دقيقة أو توثيق واضح. بل أصبح غطاءً فضفاضًا لتمرير مفاهيم غريبة عن طبيعة التربية الحقيقية، وتسبب في حالة من الارتباك لدى الآباء والأمهات. الكل أصبح يسأل: كيف أربي؟ هل أقول "لأ" أم هذا قد يسبب صدمة؟ هل أضع حدودًا أم أساير؟ هل أصاحب أولادي أم أظل في موضع الهيبة؟
النتيجة؟ جيل مشتت، أباء وأمهات تايهين، وبيوت فقدت توازنها
التربية ليست شعارًا عصريًا
التربية ليست مصطلحًا مستوردًا نزينه بكلمات "إيجابية"، "مرنة"، أو "صديقة للطفل". التربية ببساطة: هي عملية بناء متكاملة للإنسان. بناء أخلاقي، سلوكي، وجداني، وعقلي. بناء يبدأ بالحب والرحمة، لكنه لا يكتمل إلا بالحزم والثبات والوضوح.
الطفل لا ينمو فقط بالعاطفة، بل يحتاج قواعد واضحة، يحتاج من يرشده ويوجهه، لا من يخاف أن يقول له "لأ".
حينما تُكسر الهيبة باسم "الإيجابية"
كلمة "نصاحب أولادنا" فُهمت على نحوٍ خاطئ. الصداقة لا تعني المساواة في السلطة، ولا تعني أن يُعامل الطفل كندٍّ للوالدين. هيبة الأب والأم ليست ترفًا ولا قسوة، بل ركيزة نفسية يحتاجها الطفل لينمو مستقرًا، يعرف من يعتمد عليه، ومن يلجأ إليه، ومن يقود السفينة.
حين يُكسر هذا الإطار، يصبح الطفل بلا مرسى. وحين تختفي كلمة "عيب" و"ميصحش"، تحت وهم الخوف من صدمة نفسية، ينشأ الطفل بلا مرجعية، وبلا وعي للحدود.
التربية الحقيقية = حب +احترام+ حزم
التربية التي نحتاجها ليست تلك التي تخاف أن تجرح مشاعر الطفل، بل التي تعلمه كيف يتعامل مع مشاعره.
ليست التي تلغي كلمة "لا"، بل التي توظفها في الوقت المناسب بثقة ووضوح.
ليست التي تخشى المواجهة، بل التي تواجه بالرفق والثبات.
الطفل الذي لا يسمع "لا" في بيته، سيصطدم بها بقسوة في أول محطة من محطات الحياة
التربية مسؤولية.. وليست استجابة عاطفية
كم من أم أو أب صار يتردد قبل أن يضع قاعدة في بيته خوفًا من أن يُتهم بالقسوة أو الجهل التربوي؟
كم من بيت انهار نظامه لأن كل شيء أصبح قابلًا للتفاوض، حتى القيم؟
ليست كل رغبة تُلبّى. وليست كل خطأ يُغض الطرف عنه. التربية ليست قائمة أمنيات للطفل، بل خريطة طريق.
خريطة فيها إشارات توقف، وحدود، ومسموح وممنوع.
لا نريد "تربية إيجابية"... نريد تربية
نريد تربية حقيقية، راقية، محترمة، توازن بين الرحمة والهيبة
التربية احترام.
احترامٌ للطفل ككائنٍ له مشاعره وتفكيره، نعم، لكن أيضًا احترامٌ لدور الوالدين، ولمكانتهما، وللقيم التي يُربّيان عليها.
حين نحترم الطفل لا يعني أن نخضع له، بل يعني أن نخاطبه بوعي، ونوجهه بثقة، ونضع له الحدود بدافع الحب لا بدافع السيطرة.
التربية الحقيقية تقوم على الاحترام المتبادل، لا على الخوف من الطفل، ولا على تسلّط عليه.
تربية تزرع في الطفل احترام الكبير، وضبط النفس، وتحمُّل المسؤولية.
تربية تصنع منه إنسانًا سويًّا يعرف حدوده، يميز بين الخطأ والصواب، ويثق في والديه كقادة لحياته، لا كأصدقاء على الهامش.
وأخيرًا...
ليس كل جديد صوابًا، وليس كل قديم خطأ.
دعونا لا نلهث خلف الشعارات، ونُفلت أيدينا من ثوابتنا التربوية.
كلمة "لأ" مش غلط ، وكلمة "عيب" مش إساءة.
بل هي الأساس في تكوين إنسان يعرف نفسه، ويحترم غيره، ويعيش في توازن.
فنحن لا نبحث عن تربية إيجابية...
نحن نبحث عن تربية. فقط تربية.