رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري
الجمهور الإخباري
رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري

شحاتة زكريا يكتب: مصر التي لا نراها.. حكايات القوة الصامتة

شحاتة زكريا
شحاتة زكريا

في زحام الأخبار الصاخبة وضجيج الأزمات التي تتناقلها الشاشات ووسائل التواصل، هناك مصر أخرى لا تصلها الكاميرات ولا تنشغل بها تحليلات المراقبين، مصر التي لا نراها ليست سطورا في تقرير دولي ولا أرقاما في جداول الإحصاء بل هي نبض خفي يواصل الخفقان رغم كل العواصف، وإرادة تكتب فصول قوتها بعيدا عن الأضواء.

هذه القوة الصامتة لا تُقاس بمظاهر البهرجة ولا تبحث عن التصفيق لأنها متجذّرة في وجدان شعب يعرف أن البقاء للأصلب وأن العبور إلى الغد لا يحتاج ضجيجا بقدر ما يحتاج عزيمة، هي مصر التي تعيش في القرى الصغيرة حين تزرع أيادي الفلاحين الحقول في صمت وتصبغ الأرض بخضرتها في زمن يتحدث فيه العالم عن أزمات الغذاء، وهي مصر التي تبني في الصحراء مدنا كاملة بينما يظن البعض أن الرمال لا تصلح إلا للصمت.

في هذه المساحات غير المرئية تتحرك مصانع جديدة وشبكات طاقة تربط أطراف البلاد وموانئ تعيد رسم خطوط التجارة، لا أحد يرفع شعارات هناك ولا أحد ينتظر كاميرا لتوثيق اللحظة، لكن النتيجة واضحة لكل من ينظر بإنصاف: قوة تترسخ في الأرض واقتصاد يتعلم أن يقف على أكثر من قدم، ودولة تقرأ خريطة التوازنات العالمية وتعرف أن مكانها لا يُمنح، بل يُنتزع بالعمل.

القوة الصامتة لمصر ليست فقط في الحجر الذي يُرفع ليبني، أو في الطرق التي تمتد عبر الصحاري، بل في الإنسان المصري الذي يواصل الحياة وهو يعرف أن المعركة ليست آنية، وأن النصر الحقيقي لا يُعلن في بيان عاجل بل يُحصد على مدى السنين، هذا الوعي الجمعي هو ما يجعل مصر مختلفة عن كثير من دول المنطقة، التي ربما تملك الموارد لكنها لا تملك الصبر الطويل ولا النفس العميق.

في عالم يسابق الزمن تتعرض الدول لضغط هائل لتثبت نفسها كل يوم أمام الكاميرات، لكن مصر بتاريخها ووزنها تدرك أن بناء القوة الحقيقية لا يحتاج إلى عرض متواصل بل إلى تخطيط هادئ، ومراكمة متدرجة للإنجازات، ووعي بأن الصخب قد يُربك الطريق، ربما لهذا السبب يندهش البعض حين تظهر نتائج تراكمية فجأة: شبكة طرق غير مسبوقة اكتفاء ذاتي في سلع استراتيجية، اكتشافات غاز تغير معادلة الطاقة، ومدن جديدة تحوّل الخريطة العمرانية.

هذه الحكايات غير المعلنة ليست مصادفة بل جزء من فلسفة تاريخية حملتها مصر في كل منعطف، فهي لا تُرهَن حاضرها لمجرد مجاراة المشهد الإعلامي، ولا تفرّط في استراتيجياتها لأجل انتصار سريع، هذه القدرة على الصبر والعمل بصمت هي نفسها التي جعلت المصريين يعبرون أصعب اللحظات من حروب مدمرة إلى أزمات اقتصادية عاتية ثم يعودون ليبنوا من جديد وكأنهم يبدأون من الصفر.

وربما حين نتأمل ما حولنا نكتشف أن الصمت ليس غياب الصوت بل هو حضورٌ عميق لقوة تعرف أن وقتها سيأتي، فمصر التي لا نراها الآن هي نفسها التي ستقف في اللحظة المناسبة لتقول للعالم: نحن هنا لم نغِب لكننا كنا نُعد أنفسنا لمرحلة جديدة، وهذه المرحلة كما يبدو من كل المؤشرات ستكون مختلفة في معاييرها وأهدافها ونتائجها.

إن حكايات القوة الصامتة في مصر ليست مجرد قصص تلهمنا بل هي دعوة للنظر بعين أخرى والتوقف عن اختزال الوطن في عناوين عاجلة أو مشاهد مجتزأة، فهناك دائما مشهد أكبر وفكرة أعمق، وعمل يومي يتواصل خلف الستار، وربما حين ندرك ذلك سنعرف أن ما نراه هو مجرد قمة جبل الجليد وأن ما لا نراه هو الذي يمنحنا الثبات وسط أمواج العالم المتلاطمة.

في النهاية تظل مصر التي لا نراها أقوى من كل ما يُقال عنها، لأنها ليست صورة على شاشة بل واقع يبنى خطوة خطوة بثبات وهدوء حتى يحين موعد ظهوره كاملا أمام من ظنوا أن الصمت ضعف، فإذا به أقوى أشكال الحضور.

تم نسخ الرابط